حوار: سمر رضوان

على الرغم من وجود أوروبا في حلف شمال الأطلسي – الناتو، مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإنخراطها بملف الشرق الأوسط، إلا أن تفرد واشنطن بقراراتها دون الرجوع لأوروبا، خاصة في العراق وسوريا وطبيعة العلاقة مع إيران، جعل موقف الدول الأوروبية ضعيفاً في المنطقة، فهل يستطيع الغرب الأوروبي إستعادة موقعه كقوى فاعلة في ليبيا مثلاً، أم سيبقى القرار الأمريكي هو السائد!

عن الدور الأوروبي في أماكن النزاع في الشرق الأوسط، خاصة عقب حادثة إغتيال الفريق قاسم سليماني، سأل “مركز سيتا” الدكتور مارسيلو إياناريلي، مؤسس ورئيس تحرير مجلة “الرؤى الجيولوجية الإستراتيجية العالمية” ومدير مجلة “أوراسيا إنتر آكشن” من روما، عن تفاصيل هذا الموضوع.

دعم رغم التصدع

إن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط ليس في صالح أوروبا لأنه يخاطر بتفاقم مشكلة الهجرة، مما يؤجج الإرهاب؛ بالإضافة إلى مسألة تعريض إمدادات الطاقة للخطر وإلحاق المزيد من الضرر بالإقتصاد الأوروبي، وعلاقات أوروبا بتلك المنطقة.

بشكل عام، دائماً ما يذُهل الأوروبيون من “التهور” الأمريكي، خصوصاً مع التأكد على تحوُّل تلك القوة الغربية الرائدة إلى دولة مستعدة لوضع مصالحها الخاصة في المقدمة على حساب احترام حلفائها أو المواثيق الدولية، وهذا ما يشكل دليلاً إضافياً على أن العلاقة بين المصالح الأوروبية والأمريكية تتناقص بإستمرار مع وجود الرئيس دونالد ترامب في سدة الرئاسة.

ومع ذلك، لا يبدو أن الحكومات الأوروبية تريد القيام بأي إجراء لوقف هذا التهور. فالبنسبة إلى عملية إغتيال الفريق قاسم سليماني، لم تعتبر أية مؤسسة أوروبية هذا الفعل عملاً “جنونياً خطيراً”، أو على الأقل إعتباره عملاً من أعمال القوة غير المتكافئة أو التعسفية، ليس حتى قتل ضابط كبير في جيش دولة مستقلة، أي إيران، في حرب معلنة رسمياً مع الولايات المتحدة داخل دولة ذات سيادة، أي العراق، دون علم الأخيرة.

لم تكن الدول الأوروبية متورطة في القرار الأمريكي؛ فقد انقسموا إلى فريقين، أحدهم يوافق تماماً على ما حدث، والثاني يدعو إلى تحلي الطرفين بـ “الإعتدال والحكمة”.

من الواضح أن أوروبا، بعد المحاولة الفاشلة للدفاع عن بقاء الإتفاق النووي، لم يعد لها تأثير يذكر على هذا المجال، بل أصبح هناك أربع جهات فاعلة رئيسية تعمل جاهدة  من أجل الهيمنة على الشرق الأوسط وهي الولايات المتحدة وإيران وروسيا وتركيا، في وقت يقف فيه الإتحاد الأوروبي موقف المتفرج كم دون القدرة على التأثير على الأحداث.

إعادة إنتشار لا إخلاء

إن مستقبل القوات الأوروبية المنشرة في العراق مرهون بديمومة بقاء القوات الأمريكية، وتطورات التوتر الإيراني – الأمريكي.

في الوقت الحاضر، لا يبدو أن سيناريو الحرب المفتوحة وارد. خلال العشرين عاماً الماضية، حققت إيران العديد من النجاحات الدبلوماسية والعسكرية التي سمحت لها بأن يكون لها موقع إقليمي غير مسبوق، لكنها لا تمتلك القدرة والمصلحة للدخول في صراع عسكري مفتوح مع الولايات المتحدة، هذا من ناحية. من ناحية أخرى، يريد الرئيس ترامب الإبتعاد عن سياسات الرئاسات الأمريكية السابقة، بحيث يفضل سياسة “الإنفصال الإستراتيجي التدريجي” عن النزاعات.

في المقابل، لا يمكن لأحد أن ينكر حالة التوتر والخطر لا تزال قوية في المنطقة، هذا إذا ما أخذنا بعين الإعتبار عدم إمكانية التنبؤ بتصرفات الرئيس الأمريكي. لهذا، إن إيطاليا، التي لديها أكبر تواجد للقوات الغربية في العراق بعد الولايات المتحدة، تقوم بنقل بعض العسكريين إلى خارج بغداد نحو الكويت، فيما ألمانيا تقوم بنقل جنودها نحو الكويت والأردن. يأتي ذلك في وقت أعرب فيه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي – الناتو، ينس ستولتنبرغ، على أن التدريب سيستأنف عندما يسمح الوضع بذلك.

هذه الخطوة تعتبر خطوة مدروسة وحكيمة من جانب القوات الأوروبية، فمن الطبيعي حال وجود خطر معين في منطقة ما، فإن نشاط وعمل القوات العسكرية يجب أن إن يتوقف مؤقتاً ولفترة محدودة. لكن في الوقت الحالي، لا أعتقد أن قراراً بإخلاء القوات نهائياً، فأنا أعتقد أن تدبيراً من هذا النوع يجب أن يتم بالتفاهم والتوافق مع الجانب الأمريكي.

حجر بين إسفينين

تريد تركيا الإطمئنان بوجود حكومة ليبية لا تعادي مصالحها البحرية وطموحاتها الجيو – سياسية. لكنها، على ما أعتقد، لا يمكن أن تتحمل السيطرة اقتصادياً أو عسكرياً على ليبيا، أو جزء منها. كما أن هناك بعض الشكوك في أن إمدادات أنقرة العسكرية يمكن أن تساعد حكومة الوفاق الوطنية على هزيمة قوات المشير، خليفة حفتر.

على أي حال، من المؤكد أن كلاً من روسيا وتركيا، على الرغم من الإختلافات الكبيرة بينهما، قد اختارتا الحوار لوقف الفوضى في ليبيا، وتعيين نفسيهما كوسطاء، إضافة إلى تقسيم المناطق بحسب تأثيرهما الإستراتيجي والمصالحي.

بالنسبة إلى هذه الأزمة، تعتبر روما الأكثر تأثراً. لذلك، تركزت الإدارة الدبلوماسية الإيطالية على الملف الليبي بشكل أساسي على البحث عن الاستقرار دفاعاً عن مصالح شركة “إيني” للغاز التي تشكل قيمة جيو – سياسية هائلة بالنسبة إلى إيطاليا، بالإضافة إلى حماية مصالح العديد من الشركات الإيطالية الأخرى العاملة هناك، إضافة إلى وقف، أو على الأقل، الحد من تدفق المهاجرين القادمين عبر الساحل الليبي.

ففي يوليو/تموز من العام 2018، قال الرئيس ترامب لرئيس الوزراء، جوزيبي كونتي، إنه يعترف بالدور القيادي لإيطاليا في ليبيا. ولكن على الرغم من هذا التأييد، فقدت روما المبادرة لصالح دول الأكثر فعالية، مثل فرنسا وتركيا وروسيا. لم تكن الدبلوماسية الإيطالية قادرة على تأمين دعم حاسم لرئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج. وفي الوقت نفسه، قامت كل من فرنسا ومصر والإمارات العربية المتحدة، مدفوعة بمصالحها الإقتصادية والإستراتيجية، وبدعم المشير حفتر. لذلك، سعت إيطاليا إلى بناء علاقات مع المشير حفتر على أمل حماية مصالحها في ليبيا، في حال حسمه للنزاع.

الآن، تعتمد دبلوماسية رئيس الوزراء الإيطالي ووزير الخارجية على فكرة بناء “مجموعة إتصال” حول ليبيا، والتي تشمل الأطراف الخارجية المعنية، روسيا وتركيا ومصر والجزائر وتونس والولايات المتحدة والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية الكبرى، على أمل أن تسفر عن بعض النتائج الإيجابية.

من هنا، التحدي أمام الدور الإيطالي هو مدى قدرته على أن يشكل “جسر عبور” بين أطراف النزاع؛ وهي فكرة إيطالية غالباً ما كانت تريدها في التعامل مع طرابلس الغرب لكنها لم تنجح أبداً. بمعنى آخر، لقد حاولت روما أن تكون صديقاً للجميع ما أفقدها دورها في النهاية.

مصدر الصورة: ليبيا الأحرار.

موضوع ذو صلةإيطاليا على مفترق طرق إستراتيجي