شارك الخبر

خاص – سيتا

ابراهيم شير*

بعد ان تقرأ كتاب الكاتب اللبناني الفرنسي امين معلوف، “الهويات القاتلة” تبدأ بالتفكير ما هي هويتي في ظل زحمة الانتماءات الموجودة في عصرنا الحالي، والتي تتطور يوماً بعد يوم، واكتشافاً بعد اكتشاف، حيث باتت الكماليات والترفيهيات هوياتنا وجزء من ملف تعريفنا. فعلى سبيل المثال، يمكن للشخص ان يعرِّف نفسه على انه مواطن عربي، او كردي او ارمني، ويمكن ايضاً ان يعرف نفسه مسلماً او مسيحياً، او سنياً او شيعياً، والتعريف هنا يكون حسب الموقف والمكان والزمان.

الهويات باتت بنسبة لنا عبارة عن جروح او قنابل جاهزة للانفجار او للتمزق بأي لحظة، فإذا لعبت بالتيار القومي الكل خرج لينادي قومياً. ولو وضعت يدك على الدين، الكل بات متديناً حتى وان كان بالامس يرتاد الحانات بإحدى المدن الفرنسية او يلعب البوكر في لوس انجلوس الاميركية. ولو كنت متوافقاً مع الشخص الذي امامك قومياً ودينياً، خرج عليك بالخلاف الوطني وبتنا هنا نتكلم عن الهوية الوطنية. ولو كنت مثله من نفس البلد سيتحدث معك وقتها عن الهوية المناطقية، فأنا مثلاً من حلب وذلك من ريف حلب او من حي اخر في المدينة ولكن قد يكون من طبقة اجتماعية اقل، وهكذا تصنفنا الهويات في العالم وتجعلنا في خنادق قابعين فيها لاحول لنا ولا قوة.
بالاضافة الى ان هناك هويات جديدة بدأت تطفو على السطح، مثل الرياضة. ففلان يشجع ريال مدريد وذاك مع برشلونة واخر يحب الدوري الانجليزي واخر الايطالي، وحتى في المنتخبات الاجنبية التي باتت تهمنا اكثر من ابناء تلك الدول، وربما يذهب على الهوية الرياضية ضحايا. حتى الكماليات باتت هويات، فمثلا هذا يتعصب لمن يستخدم اجهزة الايفون ضد السامسونغ وهناك خلافات كبيرة تحدث بين الجانبين.

هناك من يتهم الغرب بتأجيج النزاعات على الهويات في عالمنا، ولكن هذا الامر ليس صحيح بالمطلق، ولكن الاصح ان الغرب لعب على خلافاتنا وجروحاتنا حول الهوية، لان خلافاتنا وحروبنا هي منذ قديم الازل حول هذه المفاهيم التي وجدت لتقربنا بدلا من ان تفرقنا، فالصراع بين الاوس والخزرج ليس لاميركا وبريطانيا وفرنسا يد فيه، وهو صراع ما قبل هذه الدول اساساً، والصراع في الاسلام كان قبلهم ايضاً، فمثلا الحروب بين المعتزلة والاشاعرة او اصحاب مبدأ الحديث في المذهب السني كان في القرون الاولى للاسلام، وطبعا بعد ان اتى الغرب الان عمق ولعب على هذه الخلافات.

الهوية اللغوية هي من اهم الهويات التي قد نجهل اهميتها، فمثلا المسلم السني السوري لن يستطيع التواصل مع المسلم السني الماليزي، ان لم يمتلكا لغة مشتركة تستطيع تقريب وجهات نظرهم، ولكن المسلم السني السوري يستطيع التواصل مع المسلم الشيعي العراقي بسهولة عبر لغتهم المشتركة. لذلك الهوية اللغوية تبقى ملازمة للانسان مهما تطور وتعلم، فمثلاً العربي، حتى وان تعلم الانكليزية وعاش في انكلترا، لن يستطيع فهم مقال او رواية دون ان يترجمها في عقله وبسرعة للعربية وفهمها بالعربي، لان عقله تبرمج على هذا الامر.

يجب علينا التمسك بهويتنا، ولكن دون افراط او تفريط، اي ان لا نكون مثل الذي يحصل على الجنسية الاميركية ويتماهى مع المجتمع ويمسح هويته الام، وايضا لا نكون مثل الذين انتسبوا الى “داعش” وتمسكوا ودافعوا عن فكرة عصبية متطرفة ارهابية دون التفكير ولو لدقيقة.

اذا وجدنا انه من الصعب التوافق بين الهويات، لنتذكر اننا نحمل جميعنا هوية انسانية تجمع فينا نفس الصفات الجيدة والسيئة، لان على هذه الارض ما يستحق الحياة.

*كاتب واعلامي سوري

مصدر الصورة: العربي الجديد

 

شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •