شارك الخبر

د. رائد المصري*

بهدوء.. الثورة في لبنان اليوم أمام تحديات ومنعطفات وتحولات تختلف عما بنته في أيامها الأربعينية الأولى من عمرها، خصوصاً أننا بتنا بعد إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري أمام حكومة جديدة تسعى لتحقيق الحد الأدنى من النجاح حتى ولو بالحيلة والتلطي خلف منجزات وهمية، كعملية تسديد اليورو بوند، أو إطلاق عملية حفر أول بئر نفطي على سواحلنا. كل هذا لا يعني أن مسار عمل المؤسسات قد إستقام، وأننا أمام دولة الرعاية والعدالة والرفاهية؛ فمن سرق ونهب وأفسد في الحكم من أحزاب السلطة وميليشياتها، لا زالت مسيرته سالكة متلطية خلف المسرح السياسي لحكومة الرئيس حسان دياب. من هنا، توجب على الثورة والثوار تغيير معادلات الصراع لإعادة صياغة بنية هذا النظام السياسي التحاصصي العفِن.

أحياناً كثيرة، تغدق الدعوات للتظاهر أمام المؤسسات والبرلمان والمصارف بحيث يتم تمريرها من تحت الطاولة وسريعاً للإنطلاق وتحشيد الناس كيفما كان وأينما كان تحت عناوين وشعارات صارت باهتة وغير مشجعة مطلقاً، بحيث يتلى البيان التظاهري أمام الإعلام وكل يذهب الى بيته بإنتظار غيرها من الدعوات. هكذا هي الحال، أقله منذ تشكيل حكومة الرئيس دياب وحتى اليوم. إن إنعدام الوضوح في الرؤية الثورية الجديدة، وقراءة المراحل التي تمر بها الثورة وهي تواجه أقسى وأخطر نظام سياسي طوائفي على وجه الخليقة، هي السمة الظاهرة لسيرورة المنتفضين لا سيما وأن المطالبات والدعوات للتظاهر لا تتم على أساس مشروع سياسي أو إقتصادي أو مالي تستطيع مواجهة السلطة به، كالدعوة الى التظاهرات بهدف إقرار إنتخابات نيابية مبكرة. فهل إذا ما قررت السلطة الإستجابة وتقريب موعد هذه الإنتخابات ستحقق قوى الثورة إنتصارها على أحزاب الطوائف؟!

تبدو السلطة في لبنان، وبكل أسف نقول، أنها نجحت في حرق المراحل، وفرقت توحد الثوريين على مشروع إنقاذي واضح ونحن هنا لا نسعى لجلد الذات بل لتثبيت منجزات ثورتنا التي كانت قاب قوسين أو أدنى من إستلام السلطة نتيجة إنعدام الخبرة والقيادة وفقدنا المبادرة وهذا ما يجب أن نعترف به.

إن ثورة الشعب اللبناني، وبما أنها ثورة كرامة وطنية وإنسانية عابرة للطوائف والمذاهب، لا يمكن لها أن تشارك في الحكم والسلطة مع طبقة سياسية تحاصصية أفقرت وعن عمد وتقصد البلد وخزائن الدولة والمواطنين، فهؤلاء لا يؤتمن عليهم إدارة الدولة ولا منطق الشراكة ولا أسلوب التعايش أصلاً ضمن منطق الإنحكام من أجل بناء لبنان، فهذه أيضاً صيغة تقاسم وتحاصص خطيرة، فلا بد من إمتلاك البرامج السياسية والحلول الإقتصادية كبديل ثوري بعد تنحي سلطة أحزاب الطوائف ومذاهبها بالأسلوب الديمقراطي وبالضغط الثوري.

من هنا نقول لا بد من تشكيل قوة ثورية مؤلفة من لجان تنظيمية ثورية، ومجالس محلية تمثيلية، وقطاعات مهنية في مختلف المحافظات، والبدء بعقد المؤتمرات الوطنية والشعبية. هذه هي الطريقة الأنسب اليوم بغية الإستفادة من المساحة الزمنية التي تعمل عليها حكومة الرئيس دياب في تحقيق ما تعتبره “المنجزات”، وهي طبعاً لن تنجح، فيكون البديل الثوري جاهزاً في حال الإخفاق المؤكّد لها كي لا نقع في المحظور والفراغ الذي وقعنا به بعد إسقاطنا حكومة الرئيس الحريري بالذهاب للطلب من أحزاب السلطة ورئاسة الجمهورية وترجيهم بضرورة السعي لإستشارات نيابية ملزمة وتشكيل حكومة سريعاً، فليس هذا ما تطرحه الثورة ومؤكد أنه ليس ما يجب أن يطرحه الثوار المنتفضون من أجل الكرامة والعيش الكريم.

*أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

مصدر الصورة: ch23.

موضوع ذا صلة:  ميزان الوطنية ومعيارها في لبنان


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •