شارك الخبر

السفير د. عبدالله الأشعل**

كثر الجدل حول أزمة مياه النيل التي فهمت بطرق مختلفة، ولكن الفلاح المصري لا يهمه هذه الطرق وإنما يهمه أن تضمن الحكومة سريان النهر وشرايينه إلى أرضه وبيته بعد أن أساء المصريون جميعاً إلى هذا النهر العظيم فعانى من التلوث الخطير على الكثيرين منهم في القرى والمدن والنقابات والمصانع فضلاً عن ورد النيل الذي يلتهم نسباً عالية من محصول النهر.

كما تعالت صرخات الفلاحين من جفاف أراضيهم وتحولها إلى مباني وتدهور المساحات الخضراء بسبب الجفاف، فضلاً عن الإعتداء المتعمد على هذه المساحات بحجة البناء عليها. فمشكلة النهر داخل مصر هي مشكلة تدني في مستوى أداء الدولة المصرية وهيبتها أمام الناس خاصة بعد أن عجزنا، حتى الآن، عن بناء دولة حقيقية بدل “الأخطبوط الأمني” الذي أشاع الرعب في نفوس الناس حتى ينصرفوا عن فساد الحكام، فالمحافظة على المياه وحسن إدارتها ونظافتها والإحتفاظ بها من معايير توزيع حصص المياه في الأنهار الدولية.

أما بما يخص حصة مصر المائية المقررة في المعاهدات الدولية فهي ثابتة على الورق، لكن الدنيا تغيرت ومصر تغيرت كثيراً بما أدى إلى ظهور رؤية مشتركة بناء على اقتراحات مصرية بإعادة توزيع الحصص، خاصة وأن بقية دول الحوض ترى إطاراً قانونياً جديداً يجب أن يحكم عملية التوزيع تلك بعد أن ظلت دول الحوض ترفض المعاهدات السابقة المبرمة نيابة عنها في عصر الإستعمار أو دون التشاور معها، مثل إتفاقية النيل بين مصر والسودان في العام 1959.

لكن الخلاف بين مصر ودول المنابع ليس سببه توتر العلاقات أو إهمال أفريقيا وقضاياها كما يعتقد البعض، أو تشدد هذه الدول مع مصر بعد أن شبت عن الطوق، أو أنها حالة من حالات إنكار الجميل، أو تحول سياسات إثيوبيا بحيث أصبحت قادرة على بناء السدود التي تؤثر على حصة مصر ما دامت هذه الحصة، في نظرها، باتت محلاً لإعادة النظر ربما لزيادتها وليس بالضرورة لخفضها. هذا الخلاف ذي الشكل القانوني يخفي وراءه حقيقة صارت غطاء لهذا التحدي الجديد، وهذه الحقيقة تظهر إنكماش الدولة المصرية وضعفها وهوانها، داخلياً وخارجياً.

فـ “مصر الستينات” ساعدت الأفارقة على التحرر من الإستعمار ووجد الزعماء الشبان في رحابها الدعم والمساندة المادية والسياسية المعلنة، وتبنت سياستها ودبلوماسيتها الدولية والإقليمية الدفاع عن قضية الحرية للشعوب ضد الإستعمار، هذا من ناحية. من ناحية أخرى، كانت مصر تملأ إفريقيا بروح الثورة في وقت كانت فيه إسرائيل “تتسلل” إلى القارة كلما سنحت لها الظروف بذلك. لقد كان التلاحم العربي – الأفريقي يشكل سداً منيعاً ضد العبث بنهر النيل من هيبة مصر ومصالحها، حتى أن المناضل الجنوب أفريقي الراحل، نيلسون مانديلا، أكد عندما فازت بلاده بحق تنظيم المونديال ضد مصر أنه لو كان الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر، ما زال حياً “لما كان لي أن أنافسه لأنه كان يدعم نضال الشعوب الأفريقية.”

المشكلة هي في أن دول الحوض لديها مصالح مائية وسياسية جديدة، وخريطة إفريقيا السياسية والإقتصادية بحاجة إلى قراءة حديثة واقعية من زواية ماذا تريد مصر وكيف ومقابل ماذا ولمن. لقد دخلت إسرائيل، والغرب المساند لها، فيما انسحبت مصر بحكم تدهور الأوضاع بالدولة.

إن نقطة البداية تكمن في إعادة بناء الدولة المصرية وانتهاج دبلوماسية تبدأ بتحديد المصالح المطلوب تحقيقها وأدواتها وتكلفتها السياسية والمادية، وإعادة شبكة التحالفات الأفريقية بحيث يكون لمصر دور في جميع ملفاتها. لكن الغريب هو أن انسحاب مصر وإنكماشها إلى الداخل شهد دوراً ليبياً مشكوراً، زمن الرئيس الراحل معمر القذافي، وبأساليب قبلها الأفارقة ذلك أن التجربة علمتنا بأن مهارات العمل الدبلوماسي النوعية تختلف من منطقة إلى أخرى، فما يصلح منها لأفريقيا لا يصلح لغيرها.

إذا ما بدأت مصر الدولة الجديدة دبلوماسية شاملة عربية تعزز أوراقها، وتعاونت عربياً وأفريقياً لخدمة المصالح المشتركة، وشكلت تحالفات قوية داخل القارة ولصالح قضاياها والدفاع عنها عالمياً، فلأن مصالحها مائية وزيادة حصتها ستكون ضمن منظور التعاون الجديد ليس على حساب أحد ولكن بزيادة محصول النيل من المياه خاصة وأننا مقدمون على أزمات ترتبط بتغير المناخ، خلال العشرين عاماً القادمة.

إن المنظور القانوني لمصالح مصر المائية لا يكفي لإستخلاصها وحمايتها، ولكن لا بد من دولة قوية حاضرة تجعل هذه المصالح جزءاً من حركتها بدلاً من “دبلوماسية الإفلاس” التي مارسها الرئيس الراحل، حسني مبارك، وأجادها وزراء خارجية اكتسبوا خبرات هائلة في ضياع مصالحنا المائية. ولا تزيد مشاركة الرئيس المصري الجديد، في قمة أديس أبابا، عن كونها إعلاناً عن رغبة مصر في التواصل مع أفريقيا، لكن هذه الرغبة لا بد أن تعقبها قدرة حقيقية وخطة للدخول الجديد إلى القارة السمراء، التى تعتز بمصر الأفريقية وترحب بعودتها كحارس لمصالح قارتها، مخلصة في بحث المشترك ورفعتها.

إن أزمة مياه النيل هي أحد تداعيات أزمة الدولة المصرية.

*كتب هذا المقال في العام 2012 ولكنه لم ينشر إلى حينه.

**سفير سابق ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

مصدر الصورة: بي.بي.سي.

موضوع ذا صلة: مصر بين فكي “كاروما” و “النهضة”


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •