شارك الخبر

نسيب شمس*

لا شك من أن أحد العوامل الرئيسة في مفهوم الدولة هو الشرعية. فالشرعية “التقليدية” ترتكز على الطقوس والأعراف وعلى عامل الإستمرارية. أما الشرعية “الكاريزمية” فترمز إلى قوة الأفكار التي يُجسدها قائد ما. بينما تشير الشرعية “القانونية العقلانية” إلى القوانين والقواعد. وبغض النظر عن شكل المزيج بين هذه الأشكال الثلاثة، فإن الشرعية هي التي تسمح للدولة بأن تضطلع بوظائفها الأساسية. وبدون هذه الشرعية، يصعب على الدولة أن تقوم بوظفائها. وإذا كان إخلاص الناس للدولة ضعيفاً، فسيتجاهلون مسؤلياتهم السياسية، مثل دفع الضرائب والإلتزام بالتشريعات أو الخدمة في القوات المسلحة. وفي ظل هذه الظروف، لا يبقى أمام الدولة فعلياً سوى أداة واحدة للحفاظ على النظام، هي التهديد باللجوء إلى القوة.

والمفارقة إذن هي أن الدول التي تستخدم الإكراه ضد مواطنيها عادة ما تكون ذات مؤسسات ضعيفة، لأنها بغير العنف لا تكون قادرة على جعل الناس يطيعون القوانين ويقومون بواجباتهم التي تنص عليها تلك القوانين وبالإضافة إلى الأنواع المختلفة من الشرعية في دول العالم ومستوى هذه الشرعية، تختلف هذه الدول وفقاً لتوزيع السلطة، كما ترتبط الحرية الفردية بطبيعتها بلامركزية السلطة، بينما ترتبط المساواة الجماعية بطبيعتها بمركزية أكبر للسلطة.

يمكن أن تكون السلطة في الدولة مركزية أو لا مركزية في طريقتين مختلفتين. الطريقة الأولى، توزيع السلطة داخل الدولة نفسها. ففي ظل النظام الإتحادي (أو الفيدرالي)، يتم منح سلطات هامة مثل فرض الضرائب وتشريع القوانين والأمن إلى هيئات محلية (كالولايات في أميركا، والمقاطعات في كندا) التي تسيطر على جزء معين من البلاد. ويُعرف دستور البلاد تلك السلطات؛ وبالتالي، يصعب على أية حكومة أن تفرض قيوداً عليها أو تُلغيها. يُنظر هنا إلى الحكم الإتحادي على أنه يمثل المصالح المحلية ويحد من نمو السلطة المركزية (التي يُنظَر إليها أنها تهديد للديمقراطية)

في المقابل، تستثمر الدول ذات الحكم المركزي معظم سلطتها السياسية على الصعيد الوطني دون وجود دور هام للسلطة المحلية. فالحكومة المركزية مسؤولة عن معظم مجالات السياسة. أما التقسيمات الإدارية داخل هذه الدول (كما هو الحال في فرنسا واليابان) فليس لها أهمية كبيرة في ما يتعلق بالسلطة السياسية. والميزة المفترضة لهذه الدول هي أن المصالح المحلية يمكن أن تمثَل من دون الإستعانة بهيئات محلية، وأن الحكم الفيدرالي يسير بإتجاه إضعاف فعالية الدولة من خلال توزيع السلطة بين هيئات محلية كثيرة.

في السنوات الأخيرة، كان هناك ميل إلى اللامركزية في العديد من الدول، حيث إن هذه العملية التي يطلق عليها اسم “اللامركزية” تتنازل فيها حكومة مركزية عن سلطات تابعة لها إلى سلطات محلية، أصبحت رائجة لأسباب مختلفة. ففي بعض الحالات، ينظر إلى هذه العملية على أنها طريقة لزيادة شرعية الدولة من خلال تقريب السلطة السياسية إلى المواطنين، الأمر الذي كان مصدر قلق متعاظم مع توسع رقعة الدول وتعقيدها. وفي حالات أخرى، ينظر إلى اللامركزية على أنها طريقة لتسوية بعض المشاكل كالإختلافات الإثنية والدينية، عن طريق منح مجموعات معينة إستقلالية أكبر. قليلاً ما يؤدي هذا مباشرة إلى قيام نظام حكم فدرالي، لكنه يؤدي فعلياً إلى تخلي الحكومة المركزية عن سلطات هامة كانت تملكها.

قبل التوسع في مفهوم المركزية، لا بد من التوقف أمام مفهوم برز هو”الديمقراطية المتقدمة” الذي يرتبط بمفهوم اللامركزية، فما هي “الديمقراطية المتقدمة”؟

تحدث الباحثون عن دول “الديمقراطية المتقدمة” بإعتبارها تنتمي إلى “العالم الأول” وهو ما يعني أنها متطورة اقتصادياً وديمقراطية. وكانت تعارض بالعالم الثاني أو الدول الشيوعية، أو “العالم الثالث”، أي جل الدول الأقل تطوراً. كان تصنيف الدول في هذه “العوالم” الثلاثة دائماً أمراً إشكالياً بما أن عوامل مختلفة بتشكيلات مختلفة حول العالم غالباً ما دحضت هذه الفئات. إن صعود الإقتصاديات المعتمدة على النفط في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، خلق دولاً بمستوى عالٍ من الثراء، لكن هذا الثراء يعتمد على الموارد الطبيعية التي تسيطر عليها الدولة وليس على الملكية الخاصة أو الأسواق الحرة. كما أن زيادة الثروة في هذه الدول لم يترافق مع تحرك نحو الديمقراطية الليبرالية. ومع إنتهاء الحرب الباردة وإنهيار الشيوعية، أصبحت مقاربة “العوالم الثلاثة” أكثر مدعاة للغط مع تبني العديد من الدول الصناعية والشيوعية السابقة النهج الرأسمالي والديمقراطية الليبرالية بنجاح، بينما واجهت دول أخرى إنحداراً إقتصادياً وإستمراراً للحكم الإستبدادي. ومع مرور الزمن، لم يعد هناك الكثير من العوامل المشتركة بين هذه الدول، بإستثناء التاريخ.

وبدلاً من مقاربة “العوالم الثلاثة”، نستخدم مصطلحات: الديمقراطيات المتقدمة، الدول الشيوعية وما بعد الشيوعية، الدول النامية والأقل تطوراً.

وما تشترك به الديمقراطيات المتقدمة ليس مجرد الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، بل أنظمة إقتصادية رأسمالية أيضاً (ليبرالية أو ديمقراطية اجتماعية أو ميركانتيلية) يهيمن فيها قطاع الخدمات. وبالإضافة إلى ذلك، تعارض بدول فقيرة ذات مرتبة متدنية على مؤشر التنمية البشرية وتفتقر إما إلى فقطاع صناعي وخدماتي قوي، أو إلى ديمقراطية ليبرالية ممأسسة، أو إلى الإثنين معاً.

ولا يزال الإندماج يشكل قوة دافعة في العديد من الديمقراطيات المتقدمة على الرغم من المعارضة التي يواجهها. في حين تواجه ديمقراطيات متطورة كثيرة، في الوقت نفسه، الدفع بإتجاه اللامركزية من قاعدة المجتمع. ذلك أن اللامركزية هي العملية التي يتم فيها نقل السلطات والموارد من مؤسسات الدولة المركزية إلى مستوى أدنى. الأمر المثير هنا هو أن هذه العملية عكس للتطور التاريخي للدولة، الذي تجدر الإشارة إلى أنه قام على تمركز السلطة عبر الزمن، فعلى مدى عقود، تم نقل سلطات أكبر وأكبر من المستوى المحلي إلى الوطني في مسائل مثل الرعاية الإجتماعية. لكن كانت هناك توجهات في الديمقراطيات المتقدمة مؤخراً لإعادة توجيه السلطة في الاتجاه المعاكس.

لكن ما هو سبب هذ الإنقلاب الظاهر؟ يخشى الكثير من القادة السياسيين في الديمقراطيات المتقدمة من أن يسيء الشعب الظن بالدولة وينظرون إليها بإعتبارها كبيرة جداً وبعيدة عنهم جداً وغير مرنة جداً. ينظر إلى اللامركزية بإعتبارها طريقة لمواجهة سوء الظن هذا من خلال جعل الحكومة أكثر قرباً من الناس، وبالتالي زيادة السلطة والمشاركة المحلية. وقد تساعد اللامركزية أيضاً على إعطاء صوت للجماعات المحلية الأكثر تنوعاً، مثل الأقليات الإثنية، عبر منحهم سلطة أكبر على شؤونهم المحلية. وبإعطاء صوت أكبر للناس وزيادة قدرتهم على رسم السياسات، يُؤمل أن تنتعش الديمقراطية من جديد.

لكن، كيف تحدث اللامركزية في الواقع؟ إحدى الطرق هي نقل المسؤولية والتمويل إلى السلطات المحلية، وبإعطائها دوراً أكبر في رسم السياسات وتنفيذها. فعندما تمتلك المؤسسات المحلية سلطة ومسؤولية أكبر تكون قادرة على صياغة السياسات التي تلائم ظروفها الخاصة. وقد حصل مثل هذا النوع من اللامركزية في الولايات المتحدة الأميركية خلال التسعينيات عندما أدى إصلاح نظام الرعاية الإجتماعي إلى نقل عمليات التمويل إلى الولايات التي غدت قادرة على إستخدام هذه الأموال في صياغة وتنفيذ سياسات رعايتها الإجتماعية الخاصة. وبالطريقة الأخرى هي خلق مؤسسات سياسية جديدة تماماً توفر مستوى جديداً من المشاركة العامة. ومن الأمثلة على هذا النوع من اللامركزية شوهد في كندا، العام 1999، عندما أنشئت مقاطعة جديدة كلياً هو بإنشاء هذه المقاطعة الجديدة منح السكان الأصليين من شعب إنويت – Inuit حكماً ذاتياً وسلطة محلية على موارد المنطقة الطبيعية التي يعيشون فيها. وبالمثل، أنشئت المملكة المتحدة، العام 1999، هيئات تشريعية جديدة منتخبة بشكل مباشر في مناطق اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية. وقد شجع الإتحاد الأوروبي نفسه، كجزء من عملية الإندماج فيه، على اللامركزية بإعتبارها طريقة لإعطاء المصالح المحلية والإقليمية صوتاً أعلى في الحكومة، حتى إن تم نقل المزيد من السلطات إلى المستوى الأعلى في الدول الأعضاء. وقد تم تطبيق اللامركزية في العديد من الديمقراطيات المتقدمة بدرجات متفاوتة.

وكما هو الحال مع الإندماج، ليس مؤكداً ما إذا كانت اللامركزية تمثل توجهاً في الديمقراطيات المتقدمة ستستمر في التوسع والترسخ مستقبلاً، وليست تبعات هذه العملية واضحة أيضاً على المدى الطويل. وقد تكون اللامركزية وسيلة لإعادة بناء المشاركة الديمقراطية من خلال جعل المجتمع يملك مسؤولية أكبر في صنع السياسة. لكنها ربما تقوض، في الوقت نفسه، إمكانيات وإستقلالية الدولة المركزية، لا سيما إذا ترافقت مع الإندماج، لأن عندما تكون اللامركزية استجابة لصراع إثني، فقد تعمل على تسوية هذه المسائل أو ربما تزيد المطالب بالسيادة، ويتوقف ذلك على طريقة هيكلة الإصلاحات المؤسساتية. ففي المملكة المتحدة، قطعت اللامركزية شوطاً بعيداً في إنهاء الصراع الديني بين الكاثوليك والبروتستانت في إيرلندا الشمالية. لكن اللامركزية في بلجيكا لم تحل النزاعات بين السكان الناطقين بالفرنسية وأولئك الناطقين بالفلمنكية، وقد زادت حدة الإستقطاب في البلاد مع مرور الزمن.

وأخيراً، يمكن القول إن التوجه نحو اللامركزية في الديمقراطيات المتقدمة ربما قد يكون وصل إلى حدوده القصوى. ففي أعقاب أحداث 11/9 والهجمات المتطرفة الإرهابية في أوروبا، إبتعد عدد من الديمقراطيات المتقدمة عن اللامركزية بطرق هامة، فأخذت تعمل على مركزة وزيادة إمكانياتها وإستقلاليتها كوسيلة لمواجهة تهديد الإرهاب والتعامل مع الهجرة (وهما قضيتان متوازيتان). وتم إضعاف هدف الإتحاد الأوروبي في خلق أوروبا مكونة من مناطق قوية جداً. وكما هو الحال مع الإندماج، تؤثر الظروف الداخلية والخارجية في وتيرة اللامركزية وقوتها. وليس منذ زمن طويل، إعتبر مراقبون أن الإندماج واللامركزية هما عبارة عن عمليتين جارفتين لا يمكن للدول أو المواطنين إيقافهما. لكن الأمر قد لا يكون كذلك.

لذلك، تعد الديمقراطيات المتقدمة من نواحٍ عديدة فريدة من نوعها، سواء في مؤسساتها وفي التحديات التي تواجهها. وعلى الرغم من أن هناك إختلافات بينها، تتميز هذه البلدان بالديمقراطية الليبرالية ومستويات عالية من التطور الإقتصادي. إنها تمثل، في أوجه كثيرة، ما نعتبره حياة إجتماعية وإقتصادية وسياسية معاصرة. لكن ليست أية مؤسسة من هذه المؤسسات ثابتة لا تتغير. تجد سيادة الدولة نفسها أمام تيارين توأمين اللامركيز والإندماج. وبالمثل، تمر المبادئ الإجتماعية في حال تغير وتبدل، بما أن قيم ما بعد الحداثة تتحدى الوضع الراهن، وهي بدورها موضع تحدٍ أيضاً. فقد أفسحت الهياكل الصناعية الحديثة المجال أمام اقتصاد جديد مبني على المعلومات يمكّن بعضهم ويطيح بآخرين. وستؤثر التغيرات الديموغرافية في كيفية توفير الدول السلع العامة لسكانها. يمكن لكل هذه العوامل مجتمعة أن ترسم ملامح التوازن الحالي بين الحرية والمساواة.

أما بعد، وبالعودة إلى لبنان الفينيق. يذكر وزير الخارجية السابق، فؤاد بطرس، في مذكراته أن الرئيس الراحل الياس سركيس كلفه، في مطلع عهده، إعداد ورقة إصلاحية لتكون مدخلًا للوفاق. بعد لقائه الرئيس الراحل كميل شمعون والشيخ بيار الجميل ونيله موافقتهما، زار بطرس الرئيس سليمان فرنجيه ليناقش معه الموضوع. كان الزائر يتوقع أن يمضي مع مضيفه “بضع دقائق” يطلعه خلالها على الورقة الإصلاحية ويحصل على موافقة منه عليها، إلا أن الإجتماع دام أكثر من “ساعتين ونصف ساعة” رفض خلاله الرئيس فرنجيه المقترحات المطروحة في مسودة الوفاق الوطني، وقال “كيف نتنازل ونعطي ما سبق لنا أن رفضناه؟ لقد رفضتُ أثناء ولايتي التنازل عما يضعف رئاسة الجمهورية”. ويتابع بطرس “مفاجأة الرئيس فرنجيه الكبرى يومذاك كانت إعتباره أن الفيديرالية هي الحل الأنسب للبنان.”

في المرحلة عينها، وبالتحديد في 21 يناير/كانون الثاني 1977 وبحضور الرئيسين كميل شمعون وسليمان فرنجيه والشيخ بيار الجميل والأباتي شربل قسيس وسائر الشخصيات التي كانت تشكل الجبهة اللبنانية، عقدت الجبهة خلوة مغلقة في دير سيدة البير إستمرت ثلاثة أيام صدرت في نهايتها سلسلة مقررات وتم فتح النقاش حول مواضيع كانت ولم تزل من المواضيع الحساسة المحرمة. وقد ورد في البيان الختامي موضوع “إعتماد تعددية المجتمع اللبناني أساساً في البيان السياسي الجديد للبنان الموحد، تعزيزاً للولاء المطلق له، ومنعاً للتصادم بين اللبنانيين، بحيث ترعى كل مجموعة حضارية فيه جميع شؤونها، وبخاصة ما تعلق منها بالحرية وبالشؤون الثقافية والتربوية والمالية والأمنية والعدالة الإجتماعية، وعلاقاتها الثقافية والروحية مع الخارج وفقاً لخياراتها الخاصة”. ووضعت يومذاك الجبهة اللبنانية رؤيتها في كتيب أصدرته تحت عنوان “أي لبنان نريد”.

ودارت لعبة الحرب بين الكر والفر، وطحنت البشر والحجر، وأعلنت وثيقة الطائف، التي أوقفت دوامة العنف والدم، ووضع بند حول “اللامركزية الإدارية” حيث ورد في النص الحرفي للوثيقة التي صوت عليها النواب في الطائف ما يلي:

1. الدولة اللبنانية دولة واحدة موحدة ذات سلطة مركزية قوية.

2. توسيع صلاحيات المحافظين والقائم مقامين وتمثيل جميع إدارات الدولة في المناطق الإدارية على أعلى مستوى ممكن تسهيلاً لخدمة المواطنين وتلبية لحاجاتهم محلياً

3. إعادة النظر في التقسيم الإداري بما يؤمن الإنصهار الوطني وضمن الحفاظ على العيش المشترك ووحدة الأرض والشعب والمؤسسات.

4. إعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى (القضاء وما دون) عن طريق إنتخاب مجلس لكل قضاء يرأسه القائمقام، تأميناً للمشاركة المحلية.

5. إعتماد خطة إنمائية موحدة شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها إقتصادياً وإجتماعياً، وتعزيز موارد البلديات والبلديات الموحدة والإتحادات البلدية بالإمكانات المالية اللازمة.

لكن لغاية اللحظة، ما زال هذا البند بين أخذ ورد رغم وجود لجنة نيابية فرعية تتمثل فيها القوى السياسية كافة، ترأسها النائب الراحل روبير غانم ومن ثم النائب جورج عدوان، تنسق وتعد الخطط والمقترحات للوصول إلى ما دون الفيدرالية وما هو أعلى من اللامركزية الإدارية الموسعة دون نهاية إلى تبلور شيء ملموس، علماً بأن القوى السياسية قامت بالإنقلاب على “إتفاق الطائف”، حيث شرعت وتبلورت فيدرالية هجينة أصطلح على تسميتها “فيدرالية الطوائف”.

والملفت بأن الفصيل الأقوى في لبنان، كان في أواخر العام 1999، قد قام عبر “المركز الإستشاري للدراسات والتوثيق” وهو مركز تابع لـ “حزب الله” وكان يرأسه علي فياض آنذاك الذي أصبح نائباً عن البرلمان اللبناني فيما بعد، قد عقد حلقة نقاش حول “اللامركزية الإدارية المحلية” وجاء في نهاية المستخلص للدراسة التي أعدت وفق الباحثين ونقاشهم في خاتمة المستخلص “… إن هذا الخيار المناسب لتطبيق اللامركزية الإدارية الموسعة لا يعدو كونه خياراً تنظيمياً تبناه خبراء متخصصون في الإدارة والتنمية في إطار رؤية تنموية إدارية تنظيمية شاملة؛ وبالتالي، فإن تبنيه سياسياً يتطلب إلى جانب قوننته كمشروع للامركزية الإدارية المحلية، إجراء تعديلات عليه تستند إلى رؤية سياسية تتفهم معطيات الواقع السياسي اللبناني والمناخ السياسي السائد وقواعد اللعبة وحركتها السياسية. هذه التعديلات التي تعطيه المعنى والنوعية وترفده بمستلزمات الحركة النابضة.”

ولكن تم الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، وتتابعت التطورات السياسية والتجاذبات. بعدها، تم إغتيال الرئيس رفيق الحريري، الذي أرخ لوجه مغاير، وتسارعت الأحداث ورسمت دماؤه ودماء غيره خارطة طريق إنسحاب القوات السورية من لبنان، ولكن لم يفلح اللبنانيين في بناء وحدتهم الوطنية، وإستمرت الصراعات السياسية مع خضات أمنية وأهتزازات تلامس العودة إلى فهوة آتون الحرب، في ظل تغيرات كبرى في الإقليم، ما بين سقوط صدام حسين، وإنفجار ما عرف بثورات “الربيع العربي”، وصولاً لإنفجار الأزمة السورية، كانت المنطقة كلها غارقة في لعبة الحرب، ولبنان يسعى لعدم تجرع كأس الحرب المدمرة مجدداً، لكن الحرب إستعرت وكأن لا “إتفاق طائف”، ذلك أنه نجح فقط بإيقاف دورة القصف الصاروخي والمدفعي العشوائي وتبوأ أمراء الحرب المراكز والمناصب وتوزيع مقدرات كغنائم فيما بينهما كمكافأة لحربهم ليس أكثر، بينما صراعات الزواريب والإغتيالات والتصعيد الكلامي المذهبي والطائفي في أعلى مستويات بشكل يفوق الخطاب السياسي السائد أيام العنف المدمر.

أيضاً، ولم ولن ننسى التهديد الإسرائيلي حيث حاولت إسرائيل تدجين القوة المركزية في لبنان، أي “المقاومة” في حرب يوليو/تموز 2006. فكانت نتيجة الحرب إهتزاز صورة الإسرائيلي القوي القادر على الحسم، كما أرخت هذه الحرب بظلالها على المشهد السياسي، حيث تبين وجود حلفاء جدد كانوا مستترين لإسرائيل، مما أحدث إنقسام ما فتئ يرخي بأثقاله على الواقع السياسي اللبناني وتشرذماته. وفي ظل كل ذلك، وفي وقت لاحق جاءت مطالبة البطريرك الماروني، مار بشارة الراعي، بطرح خيار “الحياد”، في وقت كان لبنان يوغل في عمق هاية الإنهيار الإقتصادي والمالي والإفلاس وفي غياهب الفساد والضياع، جاء من يصرخ “ثورة” و”كلن يعني كلن” مما أدى إلى إستقالة سعد الحريري وسجالات وإستشارات و”خزعبلات” سياسية ما أنزل الله فيها من سلطان. وفي غروب يوم 4 أغسطس/آب 2020 حصل إنفجار المرفأ، وفي ظل فيروس “كورونا”، دخلت البلاد في نفق معتم قد لا يعرف له نهاية في المدى المنظور.

وفي ذروة التشرذم المذهبي والطائفي والافلاس، ما كان من قائد القوات اللبنانية، سمير جعجع في سبتمبر/أيلول 2020، أن توجه بحزم إلى دعاة طرح المثالثة أو المروجين له بالقول “إنهم مخطؤون في الكلام عن مؤتمر تأسيسي والتهويل به، على طريقة أنهم الأقوياء ونحن الضعفاء. وإذا كان لا بد من مؤتمر تأسيسي فإننا من سيضع البندين الأول والثاني على قائمة البنود: اللامركزية الموسعة والحياد؛ مع الإشارة إلى أن هناك تصوراً كاملاً لدى القوات حول كيفية تطبيق اللامركزية الموسعة.”

وفي ظل كل ما تقدم أعلن رئيس مجلس النواب، نبيه بري، عن “إتفاق إطار” لترسيم الحدود البحرية والبرية مع إسرائيل، ورغم أن البلاد تعيش أزمة كيانية وسياسية وحكومية، وتشرذم وإنهيار إقتصادي وإفلاس.. تدور مفاوضات مع إسرائيل على وقع ضمانات أميركية بتوفير جو إيجابي والتزام بتفاهم أبريل/نيسان 1996 والقرار الأممي 1701.

في الختام، أصوات تطالب باللامركزية، ومفاوضات تشهد جولتها الثالثة “بوفيه” مفتوح للمفاوضين، وفراغ حكومي، وإفلاس… ويبقى السؤال: لبنان أين.. وليس إلى أين؟ لبنان الواحد الموحد السيد الحر المستقل أين؟ أين لبنان.. متى يولد لبنان، نعيش مخاض الولادة منذ لحظة بدء المئوية؟ فهل ستولد التوائم الهجينة كيانات لتنعم بغاز (نعمة أم نقمة!!) في وطن عرف كل الغزاة على مدى التاريخ. لبنان أين يا أهل الحل والعقد؟ للأسف كلنا نعرف: لبنان إلى أين. فهل من ضمير مجيب قبل مغيب وطن لم نحفظه كالرجال الرجال؟

*كاتب وباحث – لبنان

المصدر: مدونة المعرفة.

مصدر الصور: الحرة – لبنان 24.

موضوع ذا صلة: الفساد نظام ممنهج في لبنان.. بين الطوائف والهوية؟


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  • 0
  •