شارك الخبر

يعتبر التعليم من الأسس الهامة التي تقوم عليها المجتمعات. فعندما تمتلك المعرفة، ستمتلك القوة حتماً. والقوة هنا لا تعني استعمال العنف، بل تعني النهضة.

لا شك بأن هناك علاقة جدلية قوية ما بين التعليم ومحاربة الفقر. فعند القضاء على الجهل، أو محاربته على أقل تقدير، تستطيع بناء مجتمع يمتلك العلوم والمعارف التي تمكنه من الإرتقاء. فالعلم يعدعاملاً جاذباً، بشكل تبعي وتلقائي، للإختراعات التي تسهل صعوبات الحياة وتذلل عقباتها.

بالنسبة إلى الصين، يمكن إكتشاف مدى التأثير الإيجابي للعلم وإنعكاسه على التطور الحاصل فيها منذ قيام جمهورية الصين الشعبية، على يد الزعيم ماو تسي تونغ العام 1949، حتى يومنا هذا، وهو أمر لا يمكن إنكاره بأي شكل من الأشكال. فلقد أسس المجتمع الزراعي، الذي كان سائداً بشكل كامل تقريباً في حينها، إلى بناء دولة ستصبح عما قريب، كما هو متوقع لها، أكبر إقتصاد في العالم.

لكن الإنطلاقة الكبيرة كانت في العام 1978 مع ثورة “الإصلاح والإنفتاح”، التي قادها الزعيم دينغ تشاو بينغ، حيث أسس لـ “صين حديثة” تختلف بشكل كبير عن القديمة(1)، لكنها ليست منقطعة عنها بل هي إمتداد لها، حيث تم تعزيز وتحصين هذا القطاع بالعديد من القوانين والإجراءات التي سمحت له بالتطور والتقدم.

هذا النهج سارت عليه الحكومات المعاقبة خصوصاً بعد أن تم وضع الرؤية الاستراتيجية التي سيتم الإعتماد عليها من أجل تحقيق الغاية الأساسية، آلا وهي الإرتقاء بالمجتمع من خلال التعليم. على سبيل المثال، يعتبر “مشروع التعليم الإلزامي في المناطق الفقيرة” من أهم البرامج التي تم إطلاقها في هذا الخصوص، حيث تشير المعلومات إلى أن قيمة التمويل بلغت حدود الـ “5.3 مليار يوان إستفاد منها 150 مليون نسمة في أكثر من 40 ألف مدرسة تنتشر في 383 محافظة فقيرة. وعند تنفيذ الخطة الخمسية التاسعة (1996 – 2000)، إختارت لجنة الدولة للتربية والتعليم ووزارة المالية 32 محافظة في منطقة غرب الصين كنقطة تجريبية لتنفيذ هذا المشروع، ووصلت قيمة التمويل إلى 390 مليون يوان منها مبلغ خاص من المالية المركزية وهو 130 مليون يوان تفيد 9.15 مليون نسمة في 1396 مدرسة، مما أتاح للأطفال المحرومين من الدراسة في المناطق الفقيرة العودة الى المدارس من جديد.”(2)

ما سبق، يعد مؤشراً مهماً على رغبة الدولة في تنمية الأرياف وإيصال التعليم المجاني فيه إلى مستوى جيد، على الأقل في البداية، وهو ما سينعكس بالإيجاب على تطور الحياة في الريف واللحاق بركب التطور الذي تشهده المدن الكبرى، مثل بكين وشنغهاي وغوانزو وتشينداو غيرها.

ولجعل التعليم متعة، بدأت نتائج التغيير الفعلي تأخذ مكانها في العام 2015 حيث إنتهجت المدارس نموذجاً مغايراً للأساليب التقليدية التي كانت متبعة سابقاً إذ بدأ التركيز على عملية الإبداع لدى التلاميذ بشكل أكبر وأوسع ناهيك عن تكوين شخصية المتعلِّم في آن. أتى ذلك ضمن خطة الإصلاح التعليمي العشرية، التي طُرحت العام 2010، التي أرست العديد أسساً متينة تكمن في إيجاد بيئة ممتازة للتفكير المستقل، والسماح لبعض المدارس بفرض ما يصل إلى 20% من منهجها الدراسي، والتركيز على مواد العلوم والرياضيات أو مشروعات التعلم التجريبي بجانب تطوير شخصية الطلاب.(3)

ومع حلول العام 2018، ذكرت وزارة التربية والتعليم، في تقرير لها، بلوغ إجمالي عدد المدارس في الصين الـ “518.8 ألف مدرسة من مختلف الأنواع والمستويات، بزيادة 5017 مدرسة عن العام السابق (2017). وبلغ عدد الطلبة المقيّدين في المدارس 276 مليون نسمة، بزيادة 5.394 مليون نسمة عن العام السابق (2017)، أي زيادة بنسبة 2%. وبلغ عدد المعلمين النظاميين 16.7285 مليون نسمة، بزيادة 459.6 ألف نسمة عن العام السابق، أي زيادة بنسبة 2.8%. بلغ إجمالي مساحة المدارس من جميع الأنواع والمستويات بكل أنحاء الصين 3.573 مليار متر مربع2، بزيادة 154 مليون متر2 عن العام السابق (2017)، أي زيادة بنسبة 4.5%. وبلغت القيمة الإجمالية لأجهزة التدريس ومعدات البحث العلمي في المدارس 1021.821 مليار يوان صيني، بزيادة 102.726 مليار يوان عن العام السابق (2017)، أي زيادة بنسبة 11.2%.”(4)

وإستكملاً لما سبق، تشير العديد من المعلومات إلى تأكيد الصين على أنها “انتشلت 800 مليون شخص من الفقر منذ إطلاق إصلاحاتها الاقتصادية في أواخر السبعينات. وهكذا تراجع معدل الفقر المطلق من 88.3% من السكان، العام 1981، إلى 0.3% خلال 2018″(5)، وهو ما يثبت نجاعة السياسة التعليمية التي تم إنتهاجها في مرحة “الإصلاح والإنفتاح” حيث اثمرت نتائجها بعد 4 عقود بشكل إستثنائي وغير متوقع.

من هنا، تجدر الإشارة إلى كلام للرئيس الصيني، شي جين بينغ، يقول فيه إنه “من المتطلبات الأساسية والمؤشر الأساسي لجهودنا للقضاء على الفقر، بحلول العام 2020، أن ننجح في تقديم التأكيدات في جانبين والضمانات في ثلاث نواح، أي لضمان عدم قلق الفقراء الريفيين بشأن الطعام والملابس والحصول على التعليم الإلزامي والخدمات الطبية الأساسية والسكن الآمن، لسكان الريف الفقراء. وهذا هو مفتاح نجاح المرحلة الأخيرة من معركتنا ضد الفقر.”(6)

وإن القضاء على الجهل كان أحد أهم ثمار سياسة التعليم، لكن ما هو لافت في الأمر أن نتائج هذه السياسة تخطت بكثير ما كان مقرراً لها، ويبرز ذلك بشكل أساسي من خلال عدد براءات الإختراع التي تسجّل سنوياً، حيث وصلت إلى عشرات الآلاف.

في هذا الخصوص، تشير المعلومات إلى أن الصين إستطاعت إزاحة الولايات المتحدة عن عرش تربعت عليه طوال أكثر من 4 عقود، حيث تمكنت بكين من أن تصبح أكبر مصدر لطلبات تسجيل براءات الاختراع في العالم، إذ قالت المنظمة العالمية للملكية الفكرية، المعنية بتسجيل براءات الاختراع، إن الصين أصبحت أكبر مصدر لطلبات تسجيل البراءات الدولية في العالم، العام 2019، مشيرة إلى أن عدد الطلبات التي قدِّمت من بكين، في ذلك العام، بلغ قرابة 59 ألف طلب، وتحديداً 58990 طلباً، مقارنة مع 57840 طلب تسجيل براءة اختراع من الولايات المتحدة.(7)

وضمن مقارنة بسيط، يأكد المدير العام للمنظمة حينها، فرانسيس غاري، على “النمو السريع للصين لتصبح من أكبر مقدمي طلبات براءات الاختراع على أهمية الخطط الحكومية طويلة المدى لدعم الابتكار”، مشيراً إلى أنه في العام 1999 تلقت المنظمة 276 طلباً فقط من الصين ما يعني أن العدد إرتفع أكثر من 200 ضعفاً خلال 20 عاماً فقط ما يشكل “سابقة تاريخية”.(8) هذا التصدّر إستمر للعام 2020 أيضاً، حيث تقدمت الصين بـ 68720 براءة إختراع جديدة، أي إرتفاع بنسبة 16.1% مقارنة بالعام 2019، فلقد كان العدد الأكبر من براءات الاختراع الصادرة من جهة واحدة من نصيب شركة “هواوي”، عملاق الإتصالات الصينية، فيما حلّت شركة “سامسونغ” الكورية الجنوبية في المرتبة الثانية.(9)

في أمر لافت وفي ظل ما نعيشه اليوم من أزمة جائحة فيروس “كورونا” المستجد (“كوفيد – 19”)، يمكن القول بأن الصين هي البلد الأوحد الذي حقق نمواً في الاقتصاد حيث وصلت النسبة إلى 2.3% خلال العام 2020. في هذا الشأن، قال مكتب الإحصاء الصيني إن نسبة النمو المحقق جاء فوق التوقعات التي أعلنتها مؤسسات دولية، أبرزها صندوق النقد الدولي (1.9%)، كما بلغت قيمة الناتج المحلي الإجمالي 15.42 تريليون دولار أمريكي، بمتوسط نصيب الفرد الواحد منه بحدود الـ 10 آلاف دولار.(10)

بناء على ما سبق، يمكن أن نرى بوضوح أهمية المسيرة التعليمية في الصين، حيث أن هذا الأمر ما كان ليحدث لولا وجود قاعدة تعليمية متينة خرَّجت عقولاً تستطيع التعامل مع الأزمات بوعي ومسؤولية؛ ليس فقط لكي تنقذ البلاد من جائحة خطرة، لا بل حتى الإرتقاء بها في ظل ظروف عالمية غير عادية، لم تحدث منذ قرن تقريباً.

وضمن المؤتمر الذي أعلن فيه عن القضاء على الفقر، قال الرئيس شي إن البلاد خلقت “نموذجاً صينياً” للتخفيف من حدة الفقر، وقدمت مساهمات كبيرة في القضية على مستوى العالم، حيث حققت الصين هدف القضاء على الفقر المحدد في أجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة أي قبل 10 سنوات من الموعد المحدد، مشيراً إلى أنها تعتبر “معجزة ستُسجل في التاريخ”.(11)

في الختام، سأنهي كلامي بالقول أنه اذا كان ما حصل معجزة، فالحفاظ على هذه المعجزة هو التحدي الأكبر خصوصاً وأن جميع دول العالم، الصديقة منها والعدوة لبكين، تعلم جيداً بأنها “العملاق الإقتصادي” القادم، وجميع العيون شاخصة إليها لا سيما مع إطلاق لمشروعها “الحُلم”، أي مبادرة “الحزام والطريق” التي تعد أكبر مشروع إقتصادي تكاملي عرفه العالم إلى حد اليوم.

المراجع:

(1) أنظر:
Alwan N. Amin Eddine. 2017. Sino – German Relations 1990 – 2015: In Light of Economic Strategies and Policies. Isticharia. Beirut – Lebanon. First Edition. P: 43.
(2) التربية والتعليم. دون تاريخ. شينخوا. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3uVtL8O
(3) لينورا شُوْوُ. 17/11/2017. تطوير التعليم في الصين. صحيفة عُمان. نقلاً عن: “نيويورك تايمز”. على الرابط التالي:
https://bit.ly/38hR2rL
(4) لمحة عامة عن التعليم في جمهورية الصين الشعبية-تطورات التعليم في الصين عام 2018. دون تاريخ. وزارة التربية والتعليم – جمهورية الصين الشعبية. على الرايط التالي:
https://bit.ly/3boubNp
(5) هل نجحت الصين في القضاء على الفقر المدقع؟ 25/2/2021. الشرق الأوسط. العددي: 15430. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3c6Ryu1
(6) شي تحت الضوء: مقتطفات من أقوال شي جين بينغ حول مكافحة الفقر. 21/10/2020. شينخوا. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3edXrYY
(7) الصين تزيح الولايات المتحدة عن عرش براءات الاختراع. 7/4/2020. سكاي نيوز عربية. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3rpVf4o
(8) للمرة الأولى الصين تتقدم على أميركا في عدد براءات الإختراع. 10/4/2020. مجلة الإقتصاد والأعمال. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3t0KiX8
(9) الصين تتصدّر لائحة براءات الاختراع عالمياً. 2/3/2021. جريدة الأخبار اللبنانية. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3rqwsND
(10) محمد عبد الغني. 7/3/2021. تقرير عمل الحكومة الصينية 2021.. إنجازات وأهداف. مصر العربية. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3rpZHjC
(11) محمد عبد الغني. 1/3/2021. ضمن إنجازات الحزب الشيوعي.. كيف قضت الصين على الفقر المدقع؟ مصر العربية. على الرابط التالي:
https://bit.ly/3qoDlOe

المصدر: الصين بعيون عربية.

مصدر الصور: CGTN – Pinterest.

موضوع ذا صلة: الصين حسمت معركتها مع “ثالوث” الفقر والمرض والجهل

د. علوان أمين الدين

مؤسس ومدير “مركز سيتا” – لبنان


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •