شارك الخبر

تشير التطورات المتسارعة في المجال البحري إلى أن مركز ثقل القوة البحرية يبدو أنه يتحول بعيداً عن الدول الغربية، مما سيؤدي إلى تغيير الطريقة التي تتم بها العمليات البحرية وأنواع القدرات البحرية نفسها التي تسعى الدول للحصول عليها. وليس من شك أن التغير التكنولوجي السريع وانتشار الأسلحة المتطورة يعملان على تسريع هذا التحول بصورة كبيرة في الفترة المقبلة.

في هذا الإطار، صدر تقرير “التوازن العسكري” السنوي، فبراير/شباط 2021، عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية – IISS، وركز الفصل الأول فيه المعنون “مستقبل التنافس البحري”، على طبيعة التطور في المواجهة البحرية بين القوى الكبرى، والخطر المتزايد الذي يطرح الفاعلين من غير الدول في البحر، بما يستدعي الحاجة لضرورة تطوير آليات التعامل مع هذه الأخطار، وتعزيز القدرات البحرية للقوى الدولية، خاصة الولايات المتحدة.

عودة التنافس البحري

يشير التفرير إلى أنه بعد تراجع التهديدات البحرية بشكل لافت في أعقاب الحرب الباردة، تحول التركيز في المجال البحري من مهام السيطرة على البحر إلى مهام استعراض القوة والوجود، لكن – في الوقت ذاته – احتفظت بعض الدول ببعض الأسلحة المتطورة، مثل المدمرات الفرنسية – الإيطالية “هورايزون”، والسفن الهجومية الفرنسية من طراز ميسترال، والفرقاطات الألمانية من طراز F125. كما تم تطوير نهج تعاوني، في بعض الحالات، بين الحلفاء والخصوم على السواء لمواجهة التحديات المشتركة للأمن البحري، مثل خطر القرصنة قبالة سوحل الصومال. 

أما في الوقت الحالي، فقد أدى تزايد التهديدات البحرية وكذلك قدرات الفاعلين الدوليين (مثل روسيا والصين) والفاعلين من غير الدول (مثل حزب الله والحوثيين) إلى إحياء الحاجة لدى الدول الغربية للقدرات المتطورة والتدريب والمهارات ذات الصلة. فقد طوَّرت الصين صواريخها الباليستية المضادة للسفن من طرازات DF-21D وDF-26 طويلة المدى. وبالمثل، تعمل روسيا على تطوير أسطولها بتحديث صواريخ كروز المضادة للسفن والهجوم البري. فيما تقوم دول أخرى بإدخال أنظمة أكثر حداثة، مثل فيتنام، التي نشرت غواصات جديدة وصواريخ كروز مضادة للسفن.

وقد زاد كل ذلك من حدة المعضلات التي تواجه القوات البحرية الغربية حول مكان تركيز الاستثمارات المستقبلية، ليس فقط من الناحية التشغيلية وعمليات النشر، ولكن أيضاً من حيث المشتريات، وهو ما انعكس في أمرين، الأمر الأول، قرار البحرية الأمريكية بأن برنامج LCS الخاص بها كان غير كافٍ من حيث القدرة على البقاء أو القوة النارية، وأنه يجب استبداله ببرنامج فرقاطة FFG (X) الأكثر قوة والأعلى تكلفة. الأمر الثاني، اعتماد كل من البحرية الأسترالية والكندية لتصميم المملكة المتحدة Type-26 كأساس لمقاتلاتهم البحرية في المستقبل، مما يعبر في النهاية عن مرحلة عودة التنافس البحري بين الدول والفاعلين من غير الدول.

قواعد اللعبة الجديدة

يؤكد التقرير أن انتشار الصواريخ المضادة للسفن الأسرع والأكثر دقة والأكثر قدرة على المناورة والأطول مدى، إلى جانب التقدم في قدرات الغواصات والتحديات التكنولوجية الناشئة مثل تقنيات الحشود والأنظمة المستقلة؛ من المرجح أن تكون له آثار على معظم الدول، حتى تلك التي تتركز طموحاتها البحرية فقط محلياً أو على مهام الأمن البحري.

فمن المؤكد، وفقاً للتقرير، أن هذه التطورات ستجعل من الصعب على القوات البحرية تحديد التوازن بين التنفيذ الفعال للمهمة والمخاطر التشغيلية. كما أدى النشاط الاقتصادي المتزايد إلى زيادة الضغط على الأطر القانونية التي تهدف إلى تسهيل الاستخدام السلمي للبحر، كما أصبحت هذه الأطر نفسها أكثر إثارة للجدل، ليس أقلها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

علاوة على ذلك، أثبتت المواجهات الأخيرة أن القوات البحرية لم تعد الآن اللاعب الوحيد، فخفر السواحل والمنظمات شبه العسكرية والميليشات المختلفة، وحتى أساطيل الصيد كما في حالة الصين؛ كلها تضيف إلى تعقيدات الحكم على القوات المناسبة والاستجابات التي يجب تكريسها لمواجهة تحديات معينة.

ومن ثمّ، فإن المجال البحري أضحى أكثر تنازعاً وازدحاماً من قبل، ومع انتشار القدرات المتزايدة للفاعلين يزداد خطر التصعيد في المواجهات البحرية، كما أن هذه المنافسة تجعل الأمر أكثر صعوبة لإنشاء تحالفات بحرية تعاونية، كما اتضح في الاستجابات البطيئة والمتباينة إلى حدٍّ ما للاحتكاكات والتحديات التي واجهت الملاحة في وحول مضيق هرمز، صيف العام 2019، كما ثبت أيضاً أنه من الصعب تشكيل تحالفات واسعة في ممر مائي مهم عالمياً مثل الخليج العربي.

تركيز القوة وتوزيعها

يوضح التقرير أن التحدي المتجدد لمنافسة القوى العظمى في البحر يولِّد بالضرورة أنماطاً جديدة من النشاط من قبل القوات البحرية التقليدية. فمع زيادة نشاط البحرية الروسية والصينية، أعادت البحرية الأمريكية تركيز تدريبها وانتشارها على عمليات معقدة متعددة الناقلات، وأعادت تشكيل أسطولها الثاني الذي يركز على العمليات في شمال المحيط الأطلسي. ففي يوليو/تموز 2020، قامت حاملتا طيران أمريكيتان بالمناورة معاً في منطقة بحر الصين الجنوبي، وهو حدث نادر خلال العقدين الماضيين، وذلك في أعقاب مخاوف من بكين، مع انتشار حاملة طائرات بالقرب من تايوان واليابان وروسيا كانت تختبر ما إذا كانت الآثار المتتالية للوباء تؤثر على الولايات المتحدة وتركيزها في المنافسة البحرية، هذا من ناحية.

من ناحية أخرى، هناك تركيز متزايد على تحقيق تكامل أوثق لقدرات الحلفاء، ولا سيما قدرات فرنسا والمملكة المتحدة وأيضاً اليابان وأستراليا، مما قد يوفر نهجاً أكثر تنسيقاً من قبل هؤلاء اللاعبين لمتابعة طموحات المنافسة العالمية، فضلاً عن إضافة كتلة حرجة للمواجهة المحتملة عالية الكثافة. كما كانت هناك أيضاً زيادة في عدد التدريبات متعددة الأطراف في منطقة المحيطين الهندي والهادئ (مثل تلك التي تشارك فيها الهند واليابان والولايات المتحدة)، واتفاقيات تعاون بين مجموعات مختلفة من هذه الدول.

وبالرغم من أن تركيز القوة أمر حيوي في إطار هذه المنافسة؛ إلا أنه ليس كافياً -وفقاً للكاتب – بالنظر إلى حجم التحدي التكنولوجي المتطور، لذا تضغط البحرية الأمريكية وغيرها من أجل استجابة أكثر تفصيلاً أو توزيعاً، مما يعني – بالنسبة للولايات المتحدة – نشر كل من الأنظمة الدفاعية والقدرة الصاروخية الهجومية على نطاق أوسع داخل الأساطيل، بما يكمل مفهوم العمليات البحرية الموزعة.

في هذا السياق، لا تستفيد الولايات المتحدة من القدرات الجوية البرمائية فحسب، بل تستفيد أيضاً من القدرات الجوية الأرضية في مفهوم العمليات الأكثر تشابكاً وعبر النطاقات. كما تعتمد بشكل كبير على الفضاء الإلكتروني لإحداث تأثير. ومع ذلك، فإن هذا النهج الموزع واسع النطاق بالنسبة للولايات المتحدة، هو مفتاح الحفاظ على دور التواجد المطلوب لمواجهة تحديات المنافسة البحرية المتصاعدة.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن القوات البحرية للخصوم المحتملين كانت تتبع نهجاً مماثلاً، فقد كانت روسيا تقوم بتوزيع صواريخ كروز للهجوم الأرضي لأسطولها، في حين عملت إيران على تطوير مركبة هجومية سريعة ذات قدرات “حشود” محتملة. أما الصين، فبجانب تطويرها لعدد هائل من المنصات البحرية الحديثة، وظَّفت أيضاً خفر السواحل والمليشيات البحرية في السعي لتحقيق طموحاتها.

دمج المنصّات غير المأهولة

رفعت البحرية الأمريكية، ديسمبر/كانون الأول 2016، الهدف النهائي لأسطولها المستقبلي من 308 إلى 355 سفينة “قوة قتالية”. ولتحقيق هذا الهدف المكلِّف، أُجريت مناقشات مكثفة داخل البنتاغون أسفرت،  أكتوبر/تشرين الأول 2020، عن اتباع آلية دمج أعداد كبيرة من السفن السطحية غير المأهولة – USVs، والمركبات تحت الماء غير المأهولة – UUVs، وزيادة الاعتماد على المركبات الجوية غير المأهولة –  UAVs والذي من شأنه أن يوسع مدى وصول الأجنحة الجوية الحاملة. 

بيد أن هذه الاستراتيجية تواجه عقبات كبيرة ليس أقلها الكونغرس الأمريكي بشأن التكلفة النهائية. إذ أثيرت أسئلة حول ما إذا كان لدى البحرية العقيدة والمفاهيم الضرورية من أجل ملاءمة USVs وUUVs بشكل فعال في النمط العام لعمليات الأسطول؛ فضلاً عن مدى الثقة في قوة البنية التحتية التي يحتمل أن تكون مطلوبة لدعمهم، بالإضافة إلى سلامة وأمن المنصات التي يُحتمل أن تكون مسلحة والتي تعمل بشكل مستقل في البحر.

ويُشير الكاتب إلى أن الأسئلة حول نضج الأنظمة غير المأهولة والمستقلة، على الأقل من حيث بعض المهام والمفاهيم التشغيلية، تظل مشروعة. ومع ذلك، هناك شعور متزايد بين القوى البحرية التقليدية بأنه للتغلب بشكل فعَّال على التحديات الاستراتيجية والتكنولوجية الناشئة في المجال البحري، فإن التجارب في هذا المجال تحتاج الآن إلى أن تتبعها قرارات داعمة بشأن المشتريات السائدة، لتمكين الولايات المتحدة بشكل أكبر من المنافسة البحرية في ظل الصعود المتزايد لخصومها.

ويشير الكاتب إلى أن القوات البحرية يُطلب منها اليوم أن تفعل المزيد، في ظل واقع تنافسي متعدد ومتنوع وغير تقليدي، بما يرفع مستوى متطلبات القدرة وتعقيد البحث عن توازن جديد، سواء داخل الأساطيل البحرية أو بينها. فداخل الأساطيل يتم تحديد هذا التوازن المحتمل من خلال الوزن النسبي الذي يتم وضعه على قيمة وأدوار المنصات التقليدية مقابل التقنيات الجديدة، ولا سيما الأنظمة غير المأهولة والمستقلة، ودرجة تطابقها مع الأولويات البحرية الوطنية وما يمكن أن تحققه. أما بين الأساطيل، فيتضمن تحقيق هذا التوازن تطوير علاقات جديدة من الشراكة مع الحلفاء أو حتى الخصوم.

ومن المتوقع أن يكون هذا هو الحال مستقبلاً، سواء كانت القوات البحرية تعتزم التعامل مع التكلفة والتحديات التي يفرضها النطاق الجديد للمنافسة البحرية المتزايدة، أو ما إذا كانت تعتزم التعامل بفعالية في مواجهة التكتيكات والأدوات التي تبدو جديدة في إطار المواجهة البحرية. ويتعين اتخاذ هذه الخيارات في وقت أصبحت فيه بعض الفروق بين التهديدات الأمنية الأعلى والأدنى غير واضحة بشكل متزايد، ومتطلبات تعزيز القدرات في جميع المجالات آخذة في الازدياد.

المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS – عرض: باسم راشد  (باحث في العلوم السياسية) / مركز المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة

مصدر الصور: يورو نيوز – مونتي كارلو الدولية.

موضوع ذا صلة: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تستعيد مصداقيتها في آسيا؟


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •