شارك الخبر

حوار: سمر رضوان

في توقيتٍ مهم جداً تشهد فيه المنطقة استحقاقات غاية في الأهمية كتحرير الغوطة الشرقية، وسيطرة القوات التركية على عفرين، والتلويح الأمريكي بنسف الاتفاق النووي الإيراني، وغيرها من التحديات لم تمنع عقد القمة الثلاثية “التركية – الروسية – الإيرانية” في أنقرة، لتخرج ببيان ختامي من شأنه تحقيق الأرضية حول الخروج من الأزمة السورية بحل سلمي يتوافق عليه الجميع.

حول هذه القمة ومدلولاتها، تحدث الدكتور فائز حوالة، المحلل السياسي والمتخصص بالشؤون الروسية في موسكو، لـ “سيتا” عن أبرز تلك التطورات وابعادها.

عفرين ومنبج ووحدة سوريا

بداية، كل دول العالم وبدءاً من تحرير حلب أيقنت واعترفت بأن مشروع تقسيم سوريا قد ذهب إلى غير رجعة، وتعززت هذه الحقيقة بعد انتهاء “الحرب الاستراتيجية” بتحرير دير الزور والبوكمال وأصبحت اليوم حقيقة فعلية 100% بعد تحرير الغوطة الشرقية وإسقاط الخطة “ب” إن صح التعبير، وهو ما كان محضراً للعاصمة السورية دمشق انطلاقاً منها والاستيلاء على العاصمة وإعلان إسقاط الدولة السورية. من هنا، فإن موضوع وحدة الأراضي السورية انتهى تماماً إلى غير عودة.

بما يخص “عفرين” والاحتلال التركي لهذه المدينة السورية، إن هذا الأمر ارتبط بشكل مباشر بإجتماعات “أستانا” حول أحداث مناطق خفض التوتر وخاصة منطقة إدلب، وكان وبحسب الاتفاق أن تقوم تركيا بنشر نقاط مراقبة من شرطتها العسكرية من أجل إعادة تفعيل الطريق الدولي حلب – دمشق ووقف إطلاق النار. إلا أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان وكما نعلم صاحب نظرية “الطعن بالظهر”، أراد أن يلعب على أكثر من مسار في آنٍ واحد واتخذ حجة تواجد قوات من “قسد”، في عفرين، على أنها تشكل خطراً قومياً على بلاده ويجب إنهاء تواجدها على الحدود. أيضاً، يبدو أن الرئيس أردوغان قد اتخذها كعملية “انتقام” من أمريكا التي لم تسمح له بالمشاركة بما يسمى ” تحرير الرقة من داعش”، بل على العكس قوَّت دور المليشيات الكردية، إلى حد بعيد، لتعتمد عليها بشكل مباشر من أجل تبرير تواجدها على الأراضي السورية، وتذكرون طبعاً الدعوات التي وجهتها “وحدات الحماية الكردية “للجيش العربي السوري لممارسة حقه في الدفاع عن حدوده من الغزو التركي ولكن دون استلام كامل عفرين.

هذا الأمر بحد ذاته، من وجهة نظري، كان فخاً منصوباً للجيش العربي السوري ليقع بين فكي كماشة لإلحاق الخسائر به، فبدخوله هذا سيكون محاصراً؛ من طرف بين بقايا داعش ومقاتلي حزب الإخوان المسلمين أي “الجيش الانكشاري التركي الجديد” ودرع الفرات وغيرها من التسميات المختلفة للإرهابيين المدعومين من قبل أردوغان، ومن طرف آخر ما يسمى بـ “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) المدعومة والمسلحة أمريكياً والتي يتواجد بينها عدد كبير من أفراد وضباط الجيش الأمريكي على هيئة “مستشارين”.

غير أن الجيش العربي السوري، بحنكته وبالتنسيق مع الأصدقاء والحلفاء، قام بتمرير قوات شعبية جلها من وحدات “حماية الشعب الكردية”، والتي كانت متواجدة على عدة أحياء من حلب، وعدد لا بأس به من وحدات “حماية الشعب الكردية” الذين وصلوا من منطقة شرق الفرات وتم تمريرهم عبر الأراضي الواقعة تحت سيطرة الجيش. طبعاً لا بد لنا من الإشارة إلى أن دخول الأتراك عبر بقايا داعش والجيش الانكشاري الجديد كان بطيئاً للغاية بسبب التضاريس الصعبة لمدينة عفرين وتكبد خلالها خسائر فادحة للغاية.

أما فيما يخص “منبج” التي يجب أن نذكر علاقتها بمدينة جرابلس أيضاً، “مكب نفايات جيش الإسلام الإرهابي”، فأنا اعتقد بأن هذا الأمر في نهاية المطاف سيلعب دوراً إيجابياً، وعلى المدى البعيد، في إخراج القوات الأمريكية من الأراضي السورية لأن، وبحسب اعتقادي، ما يجري اليوم من تقوية للموقف التركي هو وضع أكبر كمية من الأوراق في يده كي يلعب بها في وجه التواجد الأمريكي وضد تسليح الإرهابيين انطلاقاً من إدلب وصولاً إلى جرابلس مروراً بعفرين.

أما دخول الفرنسي على خط منبج، في الآونة الأخيرة، فما هو إلا محاولة من الولايات المتحدة الأمريكية لعدم المجابهة المباشرة مع تركيا في منبج. هنا يجب التذكير بأن تركيا ومن خلفها المملكة المتحدة هم حلفاء للحزب الديموقراطي الأمريكي العدو المباشر الداخلي للحزب الجمهوري الأمريكي، ومن خلال هذا الأمر يحاول الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إبداء حسن النية تجاه الحزب الديموقراطي سعياً منه لإنهاء “الحرب الداخلية” التي بدأت تسيء إلى سمعة الولايات المتحدة وقوتها في العالم. بالتالي، تفضل أمريكا أن تتنازل لـ “عدوها الداخلي”، الحزب الديموقراطي عبر الفرنسي، بغية تحقيق المصالحة الداخلية وتجميع القوى من جديد ظناً منها بأنها ستعود لاستلام دفة القيادة في العالم.

هناك أمر مهم آخر يكمن في تمهيد الولايات المتحدة الأمريكية لتسليم فرنسا مسألة حماية جيش الإسلام الإرهابي، الذي سيتجه من الغوطة الشرقية إلى مدينة جرابلس، حتى لا يفتك به الجيش التركي. طبعاً، هذه الخريطة في توزيع “رقعة الشطرنج الإرهابية” على الأراضي السورية نراها تنحصر عملياً في الشريط الحدودي السوري – التركي. بلغة أخرى، محاصرة الإرهابيين، ومن معهم من القوات الأجنبية، تماماً بين الجيش العربي السوري من جهة وتركيا من جهة أخرى، وهو ما سيسهل عملية التخلص منهم بعد أن يصطف الرئيس أردوغان بشكل كامل إلى جانب المحور الروسي ومحور المقاومة، مع رضاء بريطاني بكل تأكيد.

رسائل الـ “اس 400 التركي” إلى الناتو

تعلمون جيداً بأن حلف “الناتو” آيل للسقوط، وإسقاط هذا الحلف مرتبط بشكل أساسي بإبعاد تركيا عنه والتي تمثل أكبر قوة بشرية فيه لأن باقي الدول الأعضاء لا تمتلك من القوة البشرية مجتمعة بما تمتلكه تركيا لوحدها. هنا، يجب أن لا ننسى بأن منظومة “إس 400” تعمل ضد الأهداف العدوة بالتأكيد ولكن العدو الأساسي والحقيقي لها هي الطائرات والصواريخ التابعة للناتو وليست تلك التابعة للحلف الروسي، من خلال منظومة “التعرف المسماة عدو – صديق”، وبالتالي فوجودها في تركيا سيحمي تركيا من طائرات وصواريخ الناتو، وليس من طائرات وصواريخ الحلف الروسي.

في هذا الخصوص أيضاً، لا بد من التذكير هنا بقضية سحب صواريخ الباتريوت، التي تم نشرها قبل نشر روسيا لمنظومة “إس 300″ و”إس 400” على الأراضي السورية، والتي جعلت من الحليف التركي مكشوف الظهر والرأس والمؤخرة.

غير أن الموضوع الأهم يكمن في الشق الاقتصادي لتركيا. إن وضع حجر الأساس لإنشاء المحطة الكهروذرية الروسية، والتي ستؤمن الطاقة الكهربائية اللازمة مع إمكانية تصدير الفائض إلى دول أوروبا، وقرب انتهاء “السيل التركي” لنقل الغاز الروسي إلى تركيا يعتبران امران حيويان وأساسيان لأي عملية اقتصادية فيها. فتركيا التي “تتبجح” بأن صادراتها الاقتصادية المختلفة إلى أوروبا تتجاوز الـ 200 مليار دولار هي حقيقة بفضل كل من روسيا وإيران، اللتان تؤمنان 55% و25%، على التوالي، من احتياجات الطاقة وإلا لما استطاعات تصدير 100 مليون دولار إلى أوروبا.

هناك دليل آخر على حاجة تركيا الماسة لروسيا وتأثر اقتصاد أنقرة بسياسات موسكو، ومن أبرز الأمثلة النتائج الوخيمة على الاقتصاد بعد إسقاط طائرة “سو 24” بسبب العقوبات التي فرضتها روسيا على تركيا حيث أدت إلى شل الحياة الاقتصادية وتراجع في الصادرات إلى حد ما وهنالك من نتائج سلبية تمثلت في وقف تدفق السواح الروس إلى تركيا بحدود 4 مليون شخص، حيث تقدر نسب الدخل منهم بأكثر من 100 مليار دولار سنوياً.

هذه الأمور وغيرها، جعلت من الرئيس أردوغان “حملاً وديعاً” أمام روسيا وإيران، لكنه على ما يبدو يريد إقحام مشغليه في المملكة المتحدة في خريطة العالم الجديد هذه، خاصة بما يتعلق بموضوع الاستكشافات الغازية في سوريا ولبنان ومسألة نقل الطاقة من شرق المتوسط إلى أوروبا، إضافة إلى موضوع الغاز والنفط الإيرانيين اللذان سيمران عبر سوريا وليس عبر تركيا.

إن ما يجري اليوم هو محاولة لـ “ترويض” الرئيس أردوغان بخطوات، وإن كانت بطيئة ولكنها، صحيحة وثابتة وستؤتي بثمارها في القريب العاجل.

الملف الكردي

طبعاً، تعلمون بأن هناك علاقات وطيدة بين تلك القوى والأحزاب الكردية والاتحاد الروسي، فحتى في أوج الأزمة السورية والدور السلبي الذي لعبته هذه الأحزاب في شرعنة التواجد الأمريكي على الأراضي السورية لم تنقطع العلاقات على الإطلاق.

إن كل الآمال معلقة على وعي تلك الأحزاب لدور الإدارة الأمريكية في استخدامهم كـ “حصان طروادة”، والتخلص منهم، بعد استنفاذ دورهم، عند أول محطة، كما فعلت مع حليفها كردستان العراق، وهو ما أشار إليه السفير الأميريكي السابق في سوريا، روبرت فورد.

إن الطريق الوحيد لضمان “حقوقهم” هو العيش في كنف الدولة السورية، والانخراط في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية السورية كأي مكون سوري آخر.

مصدر الصور: الجزيرة نت.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •