شارك الخبر

حسين الموسوي*

قد يكون فريق العمل الخاص بوزير الخارجية الاميركي، مايك بومبيو، “اجتهد” لإخراج كلمته التي أدلى بها في معهد “هريتدج فاونديشن” المتشدد حول إيران. لكن الجهد الذي وضع لإخراج هذه الكلمة “الهجومية” لم تنجح بإظهار أسلوب تعاط مختلف عن طريقة تفكير الجمهوريين، وبالتحديد “صقور المحافظين الجدد” الذين عاشوا سنواتهم الذهبية في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الابن.

ما صرح به بومبيو يمكن، وبسهولة، وضعه ضمن توصيف “شروط استسلام” تفرض عادة في الحروب على الدول والأطراف المنهزمة. من هنا، ربما اعتبر بومبيو أنه -متسلحاً بقرار الرئيس دونالد ترامب المتمثل في الانسحاب من الاتفاق النووي -أصبح في موقع المنتصر والقادر على فرض شروط تمليها مبادئ السياسة الخارجية للمحافظين الجدد. كيف لا وبومبيو أكمل حلقة الفريق المعادي لإيران بعد جون بولتون مستشاراً للأمن القومي.

فبالنظر إلى مطالب بومبيو، التي أعلن فيها أن على إيران تنفيذها قبل اعطائها تقديمات اعتبرها لصالح الشعب الإيراني، إن أبعاداً وتفسيرات عديدة يمكن الخروج بها.

المطلب رقم (1): الذي يقول إن على إيران الكشف للوكالة الدولية للطاقة الذرية عن كل مخططات الأبعاد العسكرية للبرنامج النووي الإيراني بما فيها التخلي عنه وبشكل دائم على ان يتم التحقق منه. ربما أراد بومبيو أن يحصل من الإيرانيين على ما قد يستخدم ذريعة ضدهم من خلال انتزاع اعتراف، ولو ضمني، بأن إيران خططت في السابق لتصنيع سلاح نووي وإن كانت التقارير الاستخباراتية الأميركية قد أكدت أكثر من مرة أنها كانت بعيدة عن هذا التوجه كل البعد.

يضاف لذلك، أن كشف إيران عن نشاطاتها العسكرية لن يكون سوى كشف لإمكانتها أمام الجانب الأميركي الذي بالطبع لن يستخدمها لصالح إيران والشعب الإيراني.

المطلب رقم (2): المتمثل بوقف تخصيب اليورانيوم وعدم السعي لمعالجة البلوتونيوم بما في ذلك إغلاق معمل المياه الثقيلة، يمكن وضعه في خانة الاملاءات التي تهدف إلى إفراغ يد إيران من كل الأوراق النووية التي تستفيد منها في برنامجها السلمي. وهذا يناقض روح وبنود الاتفاق النووي الموقع قبل ثلاثة أعوام، ويعارض المعايير الدولية التي أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التزام طهران بها عدة مرات.

المطلب رقم (3): الذي يدعو إيران إلى منح الوكالة حرية مطلقة للدخول الى كل مواقعها النووية في كل البلاد. هذا المطلب ورد كتأكيد على غايات واشنطن لا أكثر لأن مفتشي الوكالة أصلاً – وبتأكيد مديرها يوكيا امانو – تمكنوا من دخول كل المواقع التي أرادوها وبالتالي لا أهمية لهذا المطلب ولا واقعية له إلا إذا كان بومبيو مؤمن بتنبؤات رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأن إيران لديها مواقع نووية سرية.

المطلب رقم (4): الأبعاد التي تستدعي الانتباه في مطالب بومبيو تأتي في إطار المطلب الرابع الذي يدعو طهران إلى وقف تصنيع الصواريخ الباليستية والحد من إطلاق المزيد من الصواريخ بقدرات نووية. هنا تتضح شيئاً فشيئاً خلفيات السياسة الأميركية الجديدة تجاه إيران. فالصواريخ الباليستية الإيرانية تشكل قلقاً كبيراً لواشنطن وحلفائها، لا سيما الكيان الإسرائيلي الذي بات هدفاً ليس بالصعب عليها، كما أن وصول هذه الصواريخ إلى حزب الله، اللبناني، وربما لحركتي حماس والجهاد، الفلسطينيتين، سيوسع دائرة الخطر المحيطة بهذا الكيان.

المطلب رقم (5 – 6 – 7 – 8): وفي هذا الإطار أدرج بومبيو مطالبه بوقف دعم الجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط ومنها حركتي حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله، إضافة إلى احترام سيادة الحكومة العراقية والسماح بنزع سلاح “الميليشيات الشيعية” وإعادة دمجها، كما دعا إلى وقف الدعم العسكري للحوثيين والعمل على ايجاد حل سلمي في اليمن، وأخيراً سحب كل القوات التابعة لإيران من كل الأراضي السورية.

هذه المطالب لها دوافع لدى الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، فحزب الله بات خطراً كبيراً وبإعتراف الإسرائيليين واعتراف بومبيو نفسه الذي قال إنه بات قوة كبيرة بعد الاتفاق النووي ولاعباً أساسياً في الحرب على الجماعات الإرهابية في سوريا والتي شكلت هزيمتها انتكاسة كبيرة للمشروع الأميركي مع بعض العرب في سوريا، ومن هنا كان الطلب الملح على انسحاب القوات التابعة لإيران لأنها كانت من العوامل الرئيسية في القضاء على الإرهاب.

أما بالنسبة للعراق، فإن الأميركيين، خلال عهد الإدارة السابقة، كانوا مدركين للدور المحوري الذي لعبه لحشد الشعبي في القضاء على “داعش”، بدعم من إيران بالدرجة الأولى، إضافة إلى دخوله في الحياة السياسية من بوابة الانتخابات التشريعية الأخيرة وحصوله على الحصة الثانية في البرلمان. وبالتالي، لا بد من إيقاف هذا التقدم الكبير والذي يعني إيقاف النفوذ الإيراني في العراق.

أما في اليمن، لا تختلف دوافع الأميركي عما سبقتها، فبعد أكثر من ثلاثة أعوام كشفت عجزاً خليجياً عن حسم أي معركة ضد الجيش واللجان الشعبية اليمنية، وبات الأمير الشاب محمد بن سلمان بحاجة إلى من يخرجه من “الورطة” التي تستنزف مقدراته المالية وتضع قواته العسكرية ومن يقاتل معها في موقف حرج.

المطلب رقم (9 – 10 – 11): ولا تنفصل هذه المطالب عن موضوع الطلب الدائم من إيران وقف دعم “طالبان وجماعات إرهابية أخرى”، في أفغانستان والمنطقة، والتوقف عن إيواء قادة تنظيم “القاعدة”، إضافة إلى وقف دعم حرس الثورة الإسلامية “للإرهابيين والمسلحين” في العالم. فيما يعتبر الطلب المتمثل بإطلاق سراح المواطنين الأميركيين المعتقلين بتهم مختلفة في إيران مجرد ورقة ضغط أخرى.

المطلب رقم (12): إن كل ما سبق يمكن وضعه في خانة خدمة المطلب الأخير والمتمثل في “وقف إيران تصرفاتها وتهديداتها ضد جيرانها، ومعظمهم من حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك التهديد بتدمير إسرائيل وإطلاق الصواريخ على السعودية والإمارات وتهديد الملاحة والهجمات الالكترونية.”

إذاً، الموضوع لا يتعلق بالنووي بقدر ما يتعلق بـ “الإزعاج” الذي يسببه الدور الإيراني لواشنطن، ومعها الكيان الإسرائيلي وحلفائه الجدد، حيث يشكل دور طهران الإقليمي عقبة أمام مشاريع ذاك المحور بمختلف أبعاده وخاصة ما بات يعرف بـ “صفقة القرن” التي ستطال تبعاتها كل المنطقة في ظل التحالف الجديد بين الكيان الإسرائيلي وعدد من الدول العربية.

بعد هذا التفصيل المبسط للمطالب الأميركية، يبرز توجهان أو تفسيران لخلفيات ما بعد كلام بومبيو:

التوجه الأول يقول إن الأميركي، وبتشجيع وتحريض من الكيان الإسرائيلي وحلفائه العرب، قدم طروحات تعجيزية كونه يعلم ويدرك بأن تسليم إيران لمقومات نشاطها النووي، وإن كان سلمياً، وإدخال الأميركي، وبطبيعة الحال الإسرائيلي، إلى غرفة التحكم العسكرية الخاصة بها هما ضرب من الخيال. يضاف إلى ذلك الإنجازات والمعادلات التي أوجدها محور إيران في المنطقة التي وضعتها في مسار لا عودة عنه، وبالتالي فإن خروج القوات الإيرانية، والموالية لها، من سوريا ليس وارداً على أجندة طهران لأنه أصبح يتعلق بأمنها القومي وليس بأهواء بومبيو وحلفائه.

ولكون هذه المطالب يستحيل تنفيذها، فإن الأميركي يصر عليها لإيجاد ذريعة يستخدمها لتبرير مساعيه لإسقاط النظام في الجمهورية الإسلامية، وهو ما لم يخف في كلام بومبيو الذي يمكن وبسهولة فهم كلامه عن الداخل الإيراني بأنه تلميح لإسقاط النظام، وهو أمر ليس بجديد على وزير الخارجية الأميركي ومن يشاركه أفكار الـ “نيو – محافظين” حيث ركز على العمل من الداخل لتحريك هذه العملية.

أما التوجه الثاني، فينظر للمطالب الأميركية على أنها رفع لسقف التعاطي مع الإيرانيين لإجبارهم على تقديم تنازلات تبدأ من سوريا، وتحدد خط تماس يضمن أمن الكيان الإسرائيلي، ويمتد إلى لبنان لجهة تهدئة حزب الله، مروراً بالعراق الذي يشكل أهمية استراتيجية لكل من الإيرانيين والأميركيين، وصولاً إلى اليمن حيث يشكل الحوثيون “كابوساً” لـ “بنك الأموال” الخليجي الذي يستفيد منه ترامب.

ولكن في حال الاتفاق على تنازلات معينة مقابل إعادة إحياء الاتفاق النووي وإن بصيغة مختلفة، فإن الأرضية ستكون جاهزة لتنفيذ الحل النهائي في المنطقة خاصة وأن إيران قد تلجأ لهذا الخيار، برأي منظريه، لأنها لا تريد مواجهة عقوبات جديدة في وقت تقاتل فيه للخروج من تبعات العقوبات السابقة للاتفاق النووي.

وبناء عليه، فإن مسار الأمور في الأشهر القليلة المقبلة سيكشف اي التوجهين سيفرض نفسه، وسيكشف ما إذا كان الأميركيون قد تبنوا خطة إسقاط النظام ويريدون الذهاب فيها إلى النهاية، أم أن “المطبخ السياسي” الإيراني سيخرج بشيء، كعادته، يقلب به الموازين ويعيد فرض معادلات مختلفة.

*باحث لبناني

مصدر الصور: الحرة – دي دبليو.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •