شارك الخبر

إبراهيم ناصر*

بالرغم من التحسن الملحوظ الذي شهدته العلاقات السودانية – المصرية موخراً بعد التفاهم الذي عقب إعادة الفريق أول، صلاح عبدالله الملقب بـ”قوش”، إلى قيادة جهاز الأمن والمخابرات السوداني والدعم الذي قدمه النظام المصري لحكومة الرئيس عمر البشير المأزومة داخلياً وخارجياً، استعادت القاهرة مسألة حلايب من جديد وذلك بطرحها قطاعات للتنقيب عن النفط والغاز في منطقة حلايب وشلاتين المتنازع عليهما بين البلدين، ما دفع الكثير من المحللين لإيجاد تفسيرات عن دلالات التوقيت، وواضعين علامات إستفهام عن غايات النظام المصري من “تأزيم” علاقاته مع الخرطوم في هذا الوقت بالتحديد.

على لسان وزير الدولة بوزارة النفط والغاز السودانية، سعد الدين حسين البشري، رفضت الخرطوم التصرفات الأحادية الجانب من القاهرة معتبرة مسألة التنقيب في منطقة متنازع عليها عملاً غير قانوني، وستترتب عليه آثار قانونية ستتحملها القاهرة والشركات المنقبة عاجلاً أم آجلاً.

وحسب تصريحات البشري، إن طرح أربعة مربعات إلى مساحات بدون مسمى في داخل الأرضي السودانية بمنطقة حلايب في العطاء العالمي يعد تدخلاً مباشراً في صلاحيات وزارته، وأنها الجهة الوحيدة المتاحة لتراخيص التنقيب على الأراضي السودانية.

كذلك، لم تكتفِ الخرطوم بتصريحات أدلى بها وزير الدولة بوزارة النفط والغاز، بل ذهبت إلى أكثر من ذلك. وحسب بعض وسائل الإعلام، استدعت سفيرها من القاهرة لغرض التشاور بالأمر، وهي رسالة واضحة للقاهرة تظهر من خلالها إنزعاجها من تحركاتها في هذا المثلث الحدودي.

أما بالنسبة للدوافع التي حركت القيادة المصرية لإتخاذ إجراءت من هذا القبيل وفي هذا التوقيت كثيرة، ويمكن حصرها في النقاط الثلاث الأتية:

الإستفادة من الإضطرابات الداخلية من أجل حل الأزمة

يعتبر الخلاف في موضوع عائدية منطقتي شلاتين وحلايب بين السودان ومصر من البثور التي تشوه وجه العلاقات بين البلدين الشقيقين، حيث تسيطر عليهما مصر منذ خمسينيات القرن الماضي بالقوة وهو الأمر الذي كان وراء سبب اعتراض الخرطوم المستمر. وما أن تحسنت العلاقات بينهما حتى قامت القاهرة بإجراءت تخل بالإختراقات التي تجري في العلاقات الثنائية بين البلدين.

فيما يبدو، أن أزمة التظاهرات التي يعيشها النظام السوداني حفزت القيادة المصرية الى القيام بإجراءت تقوي لها فرص سيطرتها على المنطقتين من خلال فرض أمر واقع على الخرطوم.

الضغط على الخرطوم من أجل إحداث إختراقات في ملف “سد النهضة”

للسودان موقف واضح من قضية مياة النيل، إذ يرى بأن جميع دول المنبع والمصب يحق لها التمتع إستخدام حقوقها المائية دون الإضرار بمصالح الآخر. هذا الموقف اعتبرته القاهرة، دائماً، تواطؤ ضد مصالحها من حيث الوقوف بجانب إثيوبيا، حيث تريد الأخيرة استغلال مواردها المائية من أجل نهضتها. وأن اكثر ما حفزها على القيام بإنشاء سد الألفية، هو موقف الخرطوم المذكور آنفاً.

لقد كان من المفترض أن يجمتع وزراء الري في البلدان الثلاثة خلال هذه الأيام، ولكن لأسباب غير معلومة إعتذرت أديس أبابا عن إنعقاد الإجتماع في وقته المحدد، حيث فسر البعض هذا الإعتذار إنشغال الخرطوم بمشاكلها الداخلية. وبالتالي، إن توقيت إثارة قضية حلايب بالإجراءت المذكورة في أعلاه، تريد القاهرة منه الضغط على الخرطوم من أجل إبداء مواقف واضحة من إنعقاد الإجتماع الثلاثي، وحل المسألة الحيوية بالنسبة لها، وهي حصتها في مياة نهر النيل.

إستخدام دعم خليجي لا محدود للضغط على الخرطوم

تقدم كل من الإمارات والسعودية دعماً سخياً للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ويتمثل الدعم في شكل دعم مادي، وإبداء مواقف مساندة في ملفات داخلية وخارجية بحيث يقوي موقف الرئيس السيسي والذي يعاني من أزمة شرعية، بحسب بعض المحللين، منذ أن تسلم هرم السلطة.

بالتالي، أراد الرئيس السيسي الإستفادة من الدعم السعودي – الإماراتي من خلال إستخدام النفوذ الذي تتمتع به الرياض وأبو ظبي على نظام الرئيس البشير من أجل الضغط عليه ودفعه لتقديم تنازلات في قضية حلايب وشلاتين، فضلاً عن أنه في العام 2016 قامت القاهرة بإعطاء شركات إماراتية إمتيازات التنقيب عن الذهب في قطاعات واسعة بالمنطقتين، بهدف تحفيز قيادة أبو ظبي على تقديم الدعم لها، وجعلها طرفاً في الخلاف بين البلدين. 

بالمجمل وكما رأينا أعلاه، تحاول القاهرة تسوية هذه القضية المعقدة بإستخدام كل السبل والإمكانات، في توقيت تاريخي حرج يمر فيه السودان، فضلاً عن رغبتها في حل قضية حلايب وشلاتين في عهد نظام سوداني يعاني من العزلة الدولية، والتي بسببها عجز عن تدويل القضية، والتي كثيراً ما تخشاه القاهرة، لأن كل المعطيات التاريخية والثقافية والعرقية تؤكد أحقية السودان للمنطقتين. وعليه، تريد حل القضية من خلال “مصرنة” المنطقة وإدخال فاعلين آخرين قبل أن تأتي قيادة سودانية جديدة تكون محل توافق لجميع القوى الدولية، ومراعيه للتوازنات الإقليمية والدولية. وبالتأكيد حينها، تنهي سيطرة مصر على المنطقتين السودانيتين في الأصل.

*متخصص في الشؤون الإفريقية وباحث في مركز أنقرة لدراسة الأزمات والسياسات – “أنكاسام”

مصدر الصورة: الجزيرة – أرشيف سيتا.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •