شارك الخبر

حوار: سمر رضوان

لا شك بأن أزمة “فقدان” الدولار من الأسواق وبداية إرتفاع سعر صرفه مقابل الليرة، اعاد المواطنين اللبنانيين بالذاكرة إلى أزمة العام 1992 حيث وصل سعر صرف الدولار امريكي حينها إلى ما يفوق الـ 3000 ليرة لبنانية. وما زاد من شدة الأزمة، تزامن شح العملة الأمريكية من السوق مع إمتناع الشركات المستوردة للنفط عن قبض مبيعاتها بالعملة الوطنية، حيث نحت العديد من الشركات الكبرى، وفي جميع القطاعات تقريباً، نحوها سواء بالإمتناع عن القبض بالليرة أو إحتساب سعر الصرف بحسب مصالحها، ما فتح الباب أمام عدم الإنضباط في سوق الصيرفة، إن ام نقل إنفلاتاً.

عن هذه الأزمة الإقتصادية وتأثيرها على الوضع العام اللبناني وكيفية التخفيف من آثارها، سأل مركز “سيتا” الدكتور بشير المر، الأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية والخبير في الشؤون المالية، عن أسباب هذه الأزمة والأخطار المالية والإقتصادية المرتبطة به وسُبل معالجتها.

هل من دور لمصرف لبنان؟

أشك في أن مصرف لبنان قام بشراء القطع الأجنبي لأنه عادة ما يتدخل في السوق لدعم إحدى العملتين من أجل تثبيت سعر الصرف، وهي سياسة ثابتة له. بالتالي وفي ظل هذا الوضع المأزوم، من المؤكد انه قد أتخذ إجراءات لضبط وضع السيولة في سوق القطع، بحيث لم يقم بأية عملية تلاعب كما يشاع.

برأيي، بقي سعر الصرف الرسمي ثابتاً، لكن ما حدث هو التلاعب بسعره في السوق السوداء. والسؤال هنا: كيف يُسمح للصيارفة بالتحكم في السوق ليصل سعر الصرف إلى ما بين 1560 و1570 و1600 ليرة؟ لقد كان من الأفضل القيام بإجراء ما خصوصاً مع عدم وجود أية علاقة ما بين حجم العرض والطلب على الدولار في السوق لكون هذا الأمر مضبوطاً ما بين المصرف المركزي والبنوك، اللذان يمتلكان معاً الحجم الأساسي للتدخل في السوق والتأثير على سعر الدولار.

من هنا، أتخذ المصرف المركزي عدداً من الإجراءات تحت عناوين “الهندسة المالية” لسحب الدولار من البنوك كي لا تتحكم بالسوق. هذا الأمر له إنعكاسات سلبية على السوق؛ فحرمانها من السيولة، خلق نوعاً من البلبلة التي فتحت الباب أمام المتاجرين والمضاربين كي يستفيدوا، في وقت لا يزال فيه الوضع النقدي على حاله ولا يوجد أي تغيير جديد عن الماضي. لكن ما يحدث الآن هو نوع من الضغط لأسباب غير إقتصادية، يضاف إليه حالة من الفلتان في السوق السوداء. بالتالي، إن الموضوع سياسي أكثر منه إقتصادي. لذلك، لا أرى أن هناك خوف على الوضع المالي طالما لم تدخل المصالح السياسية على خط الأزمة، كإحداث إرباك في السوق لأسباب غير إقتصادية.

ومع قيام مصرف لبنان بإجراءاته الطبيعية، كان التقصير في عدم إتخاذ إجراءات كافية لملاحقة المنتفعين، فيما خلا بعض المعلومات عن قيام فرع أمن الدولة بحملات توقيف لعدد من الصيارفة الذين تلاعبوا بسعر الصرف بشكل أعلى من السعر الرسمي، في وقت يحاسب قانون العقوبات اللبناني أي شخص او جهة تتلاعب بسعر الصرف.

لقد كان من الضروري القيام بمثل هذه الإجراءات منذ فترة، 3 شهور على الأقل، ناهيك عن حصول مشكلة في السيولة لدى البنوك بحيث إمتنعت عن تسليم الدولار أو حتى الليرة ما خلق مشكلة موازية وذلك بسبب خياراتها، كإقراض الدولة وغيرها، ما أدى إلى خنق السوق الذي اوصل إلى فتح المجال للسوق السوداء.

تعويم العملة وسداد الديون

لا أعتقد أن هناك سياسة لتعويم الليرة من أجل سداد الدين العام، لأن غالبية الدين هو بالليرة اللبنانية إذ قام مصرف لبنان بمنح المقرضين (في معظمها البنوك اللبنانية)، ضمن سندات الخزينة، فوائد عالية على الليرة، بينما سحب هو الدولار في المقابل وذلك تطبيقاً لما قلناه عن وجود نوع من الهندسة المالية لديه. بالتالي، ليس هناك مصلحة لدى البنوك بضرب الليرة لكونهم المستثمر الأكبر فيها، ما يعطي نوعاً من الضمان لسعر الصرف الرسمي، خصوصاً وان مصرف لبنان هو من يضبط الأوضاع بما يمتلك من مخزون وإحتياط نقدي كافٍ يسمع له بالتدخل.

من هنا، لا يمكن أن تقوم أية جهة مستفيدة من الليرة بضربها من أجل سداد الدين، فلا احد يقوم بالإضرار بنفسه، إذ أن هناك مصلحة للجميع بتثبيت سعر الصرف خصوصاً وان عدداً من الإجراءات بدء إتخاذها للإبقاء على السعر الرسمي للصرف. اما ما يحدث اليوم، لا يمت إلى وضع الليرة بشيء بل يبقى ضمن الشائعات ليس إلا.

العجز أخطر من الدين

فيما يخص التعميم الصادر عن مصرف لبنان وبتأمين الدولار لمستوردي القمح والنفط والدواء، الذي فُهم خطأً على أنه إجراء لتهدئة سعر صرف الليرة، لا يمكن إعتباره أمراً جديداً لكن سحبه على بقية السلع يعني إستنزافاً للقطع الأجنبي من حزائن المصرف خصوصاً وأننا بلد مستورد بشكل أساس، كما أننا سنجعل من مصرف لبنان متدخلاً دائماً في العمليات التجارية الخارجية. هذا التعميم صدر بخصوص تلك المواد حصراً لأن عمليات استيرادها كبير ودورية، وبالتالي أراد المصرف ضبط عملية الإستيراد لا سيما وأننا نستورد بحدود الـ 20 مليار دولار سنوياً، منها 6 مليار للمحروقات. ومع إضافة السلع المتبقية، نصل إلى حدود الـ 10 مليار دولار.

وبالتالي، هذا مبلغ كبير على نطاق لبنان. ولكي يستطيع ضبط الميزان التجاري عبر تخفيض عمليات إستيراد المواد النفطية، وضع المصرف المركزي نوعاً من “الكونترول” حيث وضع الأمر على عاتق البنوك للتأكد من أن الإعتمادات المفتوحة مخصصة لهذا الغرض حصراً.

من هنا، لا يوجد أي تأثير لهذه الخطوة على سعر صرف الليرة، برأيي، بل هي تشكل ضابطاً لتخفيض عمليات الإستيراد مع وجود عجز كبير في الميزان التجاري، حيث يستورد لبنان ما قيمته 20 مليار دولار في مقابل عمليات تصدير تقدر بـ 3 مليار فقط بعجز يصل إلى حدود الـ 17 مليار سنوياً. لذلك، يعتبر هذا العجز أشد خطراً من مسألة الدين العام، بحيث يخرج ما قيمته 17 مليار سنوياً من العملات الأجنبية إلى الخارج، ما يشكل ثقلاً سلبياً على ميزان المدفوعات بالدرجة الأولى وبالتالي على الميزان التجاري، الذي يؤثر على الليرة من باب مخزون العملات في لبنان.

من هنا، كان لا بد من قيام مصرف لبنان بالتدخل لحصر الأمر ضمن هذه المواد الأساسية فقط؛ فبضبط عمليات إستيرادها، سيضبط معها سعر الصرف، بشكل غير مباشر، خصوصاً مع بقاء حركة التجارة الدولية كما هي. بالتالي، لا داعي لقيام بعض التجار بإستغلال الشائعات بغية رفع الأسعار.

أزمة أم ضغط؟

برأيي، ليس للإقتصاد علاقة بالأزمة، لا بل أن سعر الصرف يجب ان يكون أفضل بكثير عما هو حالياً. فبعد إنتهاء الحرب في العام 1989 وما نتج عنها من دمار شامل وتلاعب بالدولار وضعف الصناعة، كان سعر صرف الدولار يوازي الـ 500 ليرة. أما اليوم، فنحن بلد أصبح لديه نهضة عمرانية وإستثمارات وصناعة وتجارة وسياحة، و175 مليار دولار قيمة ودائع أي فائض في الأموال، ولدى المركزي مخزون كبير، والبنوك تمتلك ميزانيات جيدة. كل ذلك يعطي الليرة اللبنانية قيمة أكبر مما هي عليه.

لذلك، إن ما يحدث يمكن وضعه في خانة السياسة من أجل الضغط بنواحٍ عديدة. سابقاً، كان هناك إتفاق على تجنيب الإقتصاد أية تأثيرات أمنية أو سياسية؛ أما الفترة الممتدة من 4 سنوات وحتى اليوم، أصبح الإقتصاد يستعمل كأداة للضغط على لبنان أسباب متعددة.

خلاصة القول في هذا الموضوع، إن المسألة سياسية يقوم القطاع المصرفي بإستغلالها بشكل كبير من خلال مشاركته فيها وعدم حماية الإقتصاد بحيث أنه وظَّف كل ما يملكه من ودائع في الدين العام وتحوم عليها شبهات كبيرة، إلى جانب الفوائد العالية، ما ينعكس سلباً على مصلحة الإقتصاد. إن هذا القطاع كان من المفترض أن يكون أفضل من ذلك بكثير، وأن يكون مسؤولاً عن الأموال المودعة فيه، ويسعى إلى جذب الأموال الأجنبية. لكن السؤال هنا: هل ما زال هناك ثقة لدى المستثر الأجنبي بتوظيف أمواله وهو يعلم مسبقاً إنه قد لا يستطيع إخراجها ولأسباب مجهولة على الرغم من ان وضع البلد جيد؟

من هنا، يمكن القول بأن البنوك قد ساهمت بضرب التحويلات المالية الخارجية، إلى جانب الضغوط الأجنبية لأسباب أخرى تحت شعارات مكافحة تبييض الأموال، إضافة إلى الإجراءات السياسية الخارجية الضاغطة على الوضعين السياسي والأمني في لبنان.

الفساد أصل الدين

لا حلول إلا من خلال محاربة الفساد الذي يشكل بحدود 80% من الموازنة، من بين هذه النسبة هناك 45% فوائد للبنوك التي تراكمت بسبب تراكم الفوائد، أي فائدة الدين تغذي الدين، ما خلق ديناً عاماً ضخماً بسبب الإقتراض بفوائد عالية جداً وصلت إلى حدود الـ 43%. بالتالي، على البنوك أن تحل الأمر إذ لا يجوز أن تبقي يدها على دين الدولة بفوائد مشبوهة.

كما تعتبر البنوك جزءاً من المشكلة لجهة الضغط على الليرة والبلبلة التي حدثت حولها، إذ يجب عليهم إعادة النظر بتوظيفاتهم، فلديهم ودائع تقدر بـ 175 مليار دولار يشوبها نوع من سوء الأمانة إذ ليس المودعين على إستعداد للإنتظار ساعات من أجل سحب مبلغ بسيط من أموالهم المودعة، خصوصاً المودع الصغير الذي لا يؤثر على سعر الصرف. لذلك، يجب رفع اليد عن أموال المودعين بشكل سريع لأنها ستؤثر سلباً على تحويلات اللبنانيين من الخارج وميزان المدفوعات بالتالي ستؤثر على الليرة.
إضافة إلى ما سبق، تأخذ الكهرباء اللبنانية ما نسبته 20% من الموازنة، وهو موضوع مشبوه، ما يشكل عبئاً عليها وعلى ميزان المدفوعات، إضافة إلى ضرورة وضع خطة طويلة الأجل النقل العام. فكلا القطاعين يدخلان ضمن الفاتورة النفطية، الأول بالإستهلاك والثاني بالتوفير. كذلك، تعتبر التوظيفات السياسية، لأعداد كبيرة وبمرتبات ضخمة، جزءاً من منظومة الفساد السياسي بحيث تكلف الخزينة مبالغ ضحمة سنوياً.

مصدر الصور: مجلة الجيش اللبناني – إذاعة النور – لبنان 24.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •