شارك الخبر

سمر رضوان

بعد التطورات الأخيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي، تفتحت الأعين على إرتباط كل مناطق الصراعات بعضها ببعض، بالأدوات نفسها، وبالأجندات المشابهة لبعضها، وبالمنخرطين واللاعبين الدوليين والإقليميين أنفسهم، من سوريا إلى ليبيا إلى ناغورنو كاراباغ إلى شرق المتوسط وغيرهم.

توسيع الدائرة

إن ما يحدث اليوم من صراعات في جلها مفتعلة، جاءت ضمن مخطط تم شرحها مطوّلاً، فلقد بدأت مرحلة مرحلة، وتم إغلاق أكثر من ملف، وسط توقعات بعدم وجود مقاومة، آنذاك، لعرقلة هذه المخططات. لكن سوريا، على سبيل المثال، أعاقت المخطط الرامي إلى إسقاطها، كما كان لتدخل روسيا في الأزمة السورية العامل الأكبر في عرقلة مخططات كل من أنقرة وواشنطن، مما إضطرهما إلى توسيع دائرة الصراعات على الرغم من أن الأزمة السورية إستهلكت الكثير من الوقت والجهد إضافة إلى المال، فكان لا بد من الإنتقال إلى بلدان جديدة تحقق توازاناً في حال تم الفشل في بعض الملفات، مستخدمين الإرهاب “السياسي” و”الإقتصادي”، فضلاً عن الإرهاب العسكري الذي لم يتوقف منذ اليوم الأول لتلك الأزمات.

إن من يغذي ساحات القتال في ليبيا هم مرتزقة سوريين، ومن يغذي الصراع في ناغورو كاراباغ أيضاً سوريين، ولو أن هناك حرب مفتوحة مع اليونان بسبب أزمة شرق المتوسط لرأينا الدور التركي البارع في نقل “الجهاديين”من منقطة إلى أخرى، فواهم من يعتقد أن أنقرة تتصرف منفردة وأن لها القدرة وحيدة على التواجد ضمن أكثر من ساحة والتدخل في أكثر من صراع، لولا أن هناك دعماً أمريكياً لها، وما يؤكد هذه النظرية التسريبات التي فضحتها وثائق وزارة العدل الأمريكية التي نشرت مؤخراً حول الصلات والإتصالات بين المسؤولين الأمريكيين وسفارتي تركيا وقطر، وخاصة مسألة دعم “الجهاديين” في ليبيا.

صراعات إقتصادية

في المسألة الأرمينية – الأذرية، هناك تراشق إتهامات حول نقل مقاتلين من سوريا ولبنان للقتال إلى جانب يريفان، يقابل ذلك دخول مرتزقة سوريين عبر تركيا إلى باكو للقتال إلى جانب القوات الأذرية. في الحالة الأولى، يعلم الجميع أن هناك جاليتين كبيرتين للأرمن في كل من لبنان وسوريا ورغم تجنيسهما في الدولتين المذكورتين، إلا أنهما من حملة الجنسية الأم، وهما أحرار إذا ما أرادوا الإنتقال والوقوف إلى جانب جيش بلدهم، ما يعني أن هذا الأمر لا دخل فيه للإدارات السياسية في دمشق وبيروت؛ بالتالي، هذا حق مشروع في سياق الدفاع عن الأرض.

أما في الحالة الثانية التي تكمن بتأجيج أنقرة للصراع من خلال دعمها العسكري بالمقاتلين والسلاح، فهو تدخل سافر في صراع لا يخدم إلى الولايات المتحدة، عبر الأداة التركية، وهو صراع عنوانه إقتصادي واضح لما يشكله إقليم آرتساخ من أهمية كبرى لها لجهة الولوج إلى القوقاز أي آسيا الوسطى، وبالطبع يصبح الأمن القومي الإيراني والروسي، وإلى حدٍّ ما الصيني، في دائرة الخطر وإن كان بعيداً نوعاً ما حالياً، لكن في المستقبل سيكون أقرب مما نتخيل. أيضاً، إن مسألة الصراع بين أوكرانيا وروسيا ليس صدفة ولا الصراع الحالي في بيلاروس على شاكلة تظارهات للمعارضة. كل تلك الأحداث، إذا ما دققنا النظر فيها قليلاً، نجدها مترابطة بشكل يبين أن هذا العالم متجه نحو مواجهات ستكون أشد فتكاً من الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ترتيب للأولويات

ومع اقتراب الإنتخابات الرئاسية الأمريكية، يعتقد البعض أنها قد تحمل أملاً في تغيير سياسة واشنطن تجاه المنطقة والعالم، لكن التجربة أثبتت أن “الدولة العميقة” فيها باقية وتتمدد، وشخص الرئيس غير مهم لكون “ناطق رسمي” بقرارات تلك الدولة، ما يعني أن نجاح الرئيس دونالد ترامب، أو منافسه جو بايدن، فيها لن يغير شيء. فمثلاً، ضغطت واشنطن على الدول الأوروبية في قضية المعارض الروسي، ألكسي نافالني، لفرض عقوبات على موسكو، والتي قوبلت بالتلويح بمثلها، وفي الأزمة الأرمينية – الأذرية تحدثت معلومات عن نشر قوات روسية في منطقة الصراع، ما يعني أن هناك تصعيدا ًمقبلاً على أكثر من ساحة، فروسيا ليست “مكسورة الحربة”، كما يقال، وقد ترد على أنقرة في الشمال السوري، وتحديداً إدلب. فإذا ما زاد التصعيد في إقليم آرتساخ، سنسمع عن بدء معركة إدلب قريباً وهذا في الميزان العسكري والسياسي ممكن جداً، في ضوء هذه التطورات.

وأما بكين فمن المعروف أن سياستها هادئة لكنها لن تتدخل حتى تصل الأمور إلى ذروتها على الرغم من إشتداد الخلافات بينها وبين واشنطن والتي ذهب بعض المحللين إلى توقعات بحرب مقبلة بينهما، ومن الطبيعي أيضاً أن يكون الدور الإيراني متماهياً مع الموقفين الروسي والصيني من الملفات جميعاً، لأن تركيا لن تتوقف ما لم تتوقف الولايات المتحدة نفسها، وهذا أمر ليس بوارد الآن. لكن كما أشرنا أعلاه، إن الإنتخابات الأمريكية ونجاح أي رئيس من بين المرشحين سيعطي فترة هدنة قصيرة تكون مهلة لترتيب الأولويات، لا أكثر ولا أقل.

أخيراً، إن المؤشرات الحالية لا تبشر بالخير، وإن سياسات واشنطن الخارجية ستكون أكثر صرامة عما قبل، رغم الإختلال الكبير الذي أحدثته في عهد الرئيس ترامب. فلقد تأكدت نيتها حول زعزعة الأمن في غرب آسيا، ما يعني أنه على المحور الذي يقف في الإتجاه الآخر البدء بتكتيك جديد يتيح وقف هذا المد، الذي لن يدفع ثمنه إلا الإنسان الذي يعيش ضمن تلك المناطق المتصارعة.

*المدير التنفيذي في مركز سيتا.

مصدر الصور: أرشيف سيتا.

موضوع ذا صلة: لهذه الأسباب هبَّت تركيا لنصرة أذربيجان في وجه أرمينيا وروسيا


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •