شارك الخبر

د. عبدالله الأشعل*

عرضنا في الحلقة الأولى بعض المفاهيم الأساسية في الثقافة السياسية، ثم عرضنا في مقال منفصل لمفهوم المعارضة والمناهضة والنقد في التقاليد السياسية العربية. في هذه الحلقة، سنعرض لعدد آخر من المفاهيم.

فالعلوم السياسية هي كل العلوم المتصلة بالسلطة وتعريفها ومشروعيتها في ذاتها، وأساس المشروعية المستند إلى قيام السلطة وسياساتها، ومدى رضى الشعب عنها، ومدى جدواها لحل مشاكل البلاد. ففي أغلب بلداننا، عادة ما تستحوذ السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والتنفيذية فتتحول السلطة إلى الدكتاتورية، بما يترتب عليها من آثار مدمرة في الحجر والشجر، حيث يرتبط بهذا المفهوم الكثير من النُظم والمذاهب السياسية، أبرزها الشيوعية والنازية والفاشية. هذه المذاهب السياسية يدخل فيها أيضاً عنصري العلمانية والليبرالية، وهي تمس الحريات الدينية وغيرها.

بالنسبة إلى الشيوعية، فهي نظام حكم تعود جذوره أصلاً إلى النظرية الماركسية، حيث تم تطبيقها في روسيا القيصرية، ثم معدلة في الصين وفي فيتنام الشمالية وكوريا الشمالية ودول شرق أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية وبعض الدول الإفريقية. وكل هذه الدول الشيوعية، زال النظام فيها العام 1990. النظام الشيوعى يقوم في ذاته على دكتاتورية الحزب الشيوعي، ومصادرة الحريات لصالح “الأخ الأكبر” كما في رواية 1984.

أما النازية، فهي الأحرف الأولى من حزب المستشار الألماني أدولف هتلر، الحزب الوطني الديمقراطي الألماني. لكن، واشنطن شيطنت المصطلح كي تُصدر برنامجاً لإجتثاث النازية، كما فعلت عقب إحتلال العراق، باجتثاث حزب البعث، كما صممت برنامج اليابان لإجتثاث طابعها العسكري.

أما الفاشية، فهي الحروف الأولى من حزب بينيتو موسوليني في إيطاليا، وصارت الفاشية، مع النازية، تشير إلى نمطين من الدكتاتورية. هي حركات وطنية بالغت في الوطنية والدكتاتورية بإسم “الوطنية”، وقد نُشرت كافة الوثائق المتعلقة بهذه المفاهيم وصارت متاحة للبحث العلمي.

وقد تناول الكتّاب هذه المفاهيم وضم إليها الصهيونية، وهي أخطرها. أما الفارق بين المذاهب السابقة وبينها هو أن هذه المذاهب نشأت في أوطانها في مواجهة المحكوم الوطني، أما الصهيونية فهي حركة إستعمارية يهودية هدفها الإستيلاء على فلسطين وتجميع كل يهود العالم فيها بإعتبارهم “صفوة البشرية” وعرق “أسمى” من بقية شعوب الأرض، التي يستغلونها؛ لذلك، حقدت هذه الشعوب عليهم واضطهدتهم، لكن لم تأتِ الإشارة إلى قيام اليهود بحياكة المؤامرات ضد الشعوب التي استضافتهم.

أما فروع العلوم السياسية فهي تظم تاريخ الفكر السياسي، ثم الفلسفة السياسية، ثم النظم السياسية، وأشكال الحكومات (أي نظم الحكم). فقد أشرنا إلى أن النُظم السياسية هي بالضرورة النظم الديمقراطية، ولكن أشكال الحكومات قد تكون إما ملكية أو جمهورية أو حكومة الجمعية الوطنية. فالنظم الملكية هي التي يجلس على رأس الدولة ملك ملتزم بدستور بلاده. أما النظام الجمهوري، فهو النظام يتولى رأس الدولة فيه رئيس جمهورية، وأغلب النظم هي نظم جمهورية ديمقراطية. أما النظام الدكتاتوري الشمولي السلطوي، فهو بالضرورة نظام حكم يعْمد فيه فرد، تحيط به أقلية ما، إلى الإستلاء على السلطة والمؤسسات، التي يتم إفراغها من مضمونها، ويصبح النظام نظاماً للحكم وليس نظاما سياسياً.

والحق أن الأصل في تعريف الدولة أنه يقصد بها النظام السياسي الديمقراطي. أما الدولة التي تحكمها أقليات خارج الدستور، فهي دول معروفه في فقه العلوم السياسية بالدولة “المافياوية” أشبه بنظام العصابات، توضع لها القوانين التي تحقق أهداف الأقلية الحاكمة المُسيطرة. لقد عرف التاريخ دكتاتورية الأقلية والأغلبية كما عرف دكتاتورية حكم القضاة في فرنسا، لكن ما هو معروف بشكل متكرر في التاريخ الدكتاتوريات العسكرية والحزبية والشيوعية والأسرية؛ فإذا كان النظام ملكياً، كان بالضرورة ديمقراطياً. أما أن كان مستبداً وراثياً، فهو بهذه الحالة نظام أسري.

أيضاً، نضيف إلى الفروع الداخلية للعلوم السياسية مقابل العلوم السياسية في المجال الدولي، مادة هامة أخرى وهي السياسات المقارنة، وطبعاً هناك فرق بين كلمة policy، أي منهج أو رؤية أو سياسة مثل السياسة الخارجية وبين الإعتبارات السياسية المحيطة بالموضوع politics. فالسياسات المقارنة، تدخل فيها نظرية المشروعية السياسية خلافاً للشرعية القانونية، وتشكيل البرلمان والإنتخاب وغيرها.

وقد تفرعت العلوم السياسية، فشملت الإقتصاد السياسى وقرار السياسة الخارجية، ودراسات المناطق والجغرافيا السياسية والحدود ووظائفها والجيوبولتيك، مستقلة عن الجغرافيا السياسية على أساس أنها تعالج أوراق القوة في الدولة مثل الموقع الجغرافي والموضع والموارد وحجم السكان ونوعيتهم ومساحة الدولة والمهددات والفرص والدول الساحلية والحبيسة. تضاف كل فترة فروع جديدة للعلوم السياسية وتنازعها علوم أخرى إجتماعية، فقد استقر علم الإجتماع، وعلم المجتمع، وجوانب من علوم النفس والتاريخ والاستراتيجية، ونظرية المفاوضات والإدارة الدبلوماسية (الفرع الأحدث في العلوم السياسية الذي يجمع بين علم الإدارة العامة وعلم الدبلوماسية وكلاهما فروع للعلوم السياسية) وغيرها من العلوم السلوكية الأخرى والمناهج الكمية في الدراسات السياسية.

*سفير سابق ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

مصدر الصورة: جريدة اللواء.

موضوع ذا صلة: في مبادئ الثقافة السياسية


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •