شارك الخبر

بعد أن تعثر تشكيل الحكومة في لبنان وبعد مضي قرابة 5 أشهر على تكليف الرئيس سعد الحريري بتأليف الحكومة، أثيرت مسألة مدى قدرة النصوص الدستورية على انهاء التكليف سواء بتوجيه رسالة من رئيس الجمهورية، العامد ميشيل عون، إلى المجلس النيابي – وفقاً لصلاحياته في الفقرة 10/53 من الدستور – أو بأية وسيلة دستورية أخرى، في وقت إمتنع على الجميع الوصول إلى انهاء التكليف.

بقيت الأمور مقبولة ولو على غضاضة من الجميع، حتى أثارت عبارات الرئيس الحريري زوبعة سياسية حين قال “إعتذاري مقابل استقالتك”. لذلك، سوف نطرح مسألتي الاعتذار والاستقالة مشيرين إلى أنه وفي النُظم الديمقراطية الرئيس الأول ثابت حتى انتهاء ولايته، هذا مبدئياً. أما رئيس الحكومة والحكومة فهما العنصران المتغيران، مما يعني وضع الاستقالة مقابل الاعتذار خروج عن الأصول الديمقراطية، بالتخاطب بين مقامي رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية.

ولما كانت أزمات التكليف والتأليف قد تكررت، وجدنا لزاماً علينا أن نسعى ونقترح حلول لهاتين الازمتين؛ لذا، سوف نعرض النص الأصلي ومن ثم النص المقترح، ونبيّن أسباب ومقتضيات الاقتراح.

أولاً : بالنسبة لعملية التكليف

يقول النص الأصلي “يسمي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استناداً إلى استثشارات نيابية ملزمة يطلعه رسمياً على نتائجها” بحسب الفقرة 4/53.

هنا، يوجد نقص في الصياغة إذ أن المادة 53 لم تحدد متى يجب على رئيس الجمهورية اطلاق استشارات، مما دفعه إلى الإستمهال للبدء فيها، ودافعه بذلك أن النص لا يحثه على المبادرة باطلاق الاستشارات، وهو على حق.

في منظورنا، إن رئيس الجمهورية ملتزم بالدستور وحرفيته، فالرئيس عون كرر 5 مرات عدم اطلاق الاستشارات النيابية؛ مرتين في الحكومتين السابقتين للرئيس الحريري في السابق، ومرة مع حكومة د. حسان دياب، وحالياً مع إعادة تكليف الرئيس الحريري بالتشكيل.

أيضاً، لا ننسى ابداً استمهال الرئيس في اطلاق استشارات تسمية السفير د. مصطفى أديب، الذي إعتذر عن التكليف لكونه لم يتمكن من تأليف حكومة.

إن ما يسعف رئيس الجمهورية في قراره هذا هو الفراغ الموجود بالنص الدستوري.

ثانياً: بالنسبة لعملية تأليف الحكومة

تشير النصوص الأصلية إلى أنه “يصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء أو اقالتهم”، بحسب الفقرة 4/53. أيضاً، “يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها”، بناء على نص الفقرة 2/64.

أما نقص الصياغة فيكمن في أن المادة 64 لم تحدد متى ينتهى الرئيس المكلف من عملية التأليف. فهو سيستشير ويتناقش مع جميع الكتل النيابية، وقد يعرض على الرئيس صيغة تشكيل الحكومة ويرفضها الرئيس.

وأمام هذا الأمر، نجد أن الدستور صامت لا يحدد للرئيس المكلف مدة للتأليف، ولا يحدد لرئيس الجمهورية أيضاً عدد المرات التي بإمكانه فيها رد الصيغ التشكيلية للحكومة، كما أنه لا يشير إلى مرجعية دستورية لحل هذا الخلاف.

ثالثاً: الحلول المقترحة لحل أزمة تأليف الحكومة في لبنان

فيما يخص إقتراحتانا، فهي على الشكل التالي:

1. بالنسبة إلى اطلاق الاستشارات النيابية

بسبب النص الذي يشوب نص المادة 53، يترك النص المتصل بهذه المسألة على حاله “يسمي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استناداً إلى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسمياً على نتائجها” (الفقرة 2/53)، وتضاف فقرة جديدة وهي:
“- عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة، يتوجب على رئيس الجمهورية خلال 15 يوماً من استقالة الحكومة، او اعتبارها مستقيلة، أن يدعو النواب إلى استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس مكلف جديد. وفي حال عدم الدعوة للاستشارات من قبل رئيس الجمهورية، يعتبر مجلس النواب منعقد حكماً، لأجل تسمية الرئيس المكلف بأكثرية العدد الكلي لنواب المجلس.
ـ يكتفي كل من الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية بالتوقيع على تشكيل الحكومة الصادرة عن مجلس النواب، وعليهما لزاماً إصدار مراسيم التأليف فور تبلغها التشكيلة الحكومية من المجلس.”

2. بالنسبة إلى الرئيس المكلف

لقد تكررت حالات التمادي في تأليف الحكومات، بحيث أصبح الرئيس المكلف يحمل التكليف ويطوف سائحاً في دول العالم، أو مهتماً بمصالحه الخاصة تاركاً وراءه البلاد والعباد في أزماتها وغير مهتم لرأي رئيس الجمهورية في التأليف حتى يرغم الجميع على القبول بالحكومة التي يريدها.

لذلك، نقول بوجوب تعديل المادة 64 وذلك بإضافة فقرة جديدة عليها “على الرئيس المكلف أن يقدم لرئيس الجمهورية تشكيلته الحكومية ليناقشه فيها خلال 15 يوماً تلي تاريخ تكليفه. فإذا رد رئيس الجمهورية التشكيلية الحكومية المقترحة إليه، يتوجب على الرئيس المكلف إعداد تشكيلة حكومية جديدة. وتقديمها خلال مهلة 15 يوماً. فإذا انقضت المهلتين دون تشكيل حكومة، لمجلس النواب الحق بالإطلاع على التشكيلتين والتصويت على كل حقيبة مَنْ يتولاها وعلى أية طائفة توزيع مراعياً في ذلك الفقرة 1/95 من الدستور.”

برأينا، لا نرى أن تدخّل مجلس النواب خروجاً عن الأصول الديمقراطية، فمجلس الشيوخ الاميركي يبدي رأيه في كل وزير يعينه رئيس الدولة على الرغم من ما يعرف عن الصلاحيات التنفيذية الواسعة للرئيس الاميركي في إدارة شؤون الحكم.

بذلك، نكون قد أخرجنا نظامنا البرلماني من تهمة اختزال الدولة بأشخاص، والانتقال إلى دولة المؤسسات الدستورية التي تنتج الحلول وتؤمن استمرارية الدولة لأن “لبنان دولة مؤسسات، والدولة لا تختزل بأشخاص، فالسياسة مبادئ والمبادئ ركيزتها الصدق والاخلاق”، وهو ما ورد ضمن البند 7 من نظام الحزب الديمقراطي اللبناني.

مصدر الصور: فرانس 24 – لبنان اليوم.

موضوع ذا صلة: تكليف وتأليف الحكومات اللبنانية: بين النصوص والأعراف

د. حكمت مصلح

باحث قانوني – لبنان


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •