شارك الخبر

مركز سيتا

رغم أن أفغانستان تعتبر واحدة من أفقر دول العالم، لكن وقوعها على مفترق طرق بين وسط وجنوب آسيا، وغناها بالكثير من المعادن الطبيعية، كانا سبباً رئيسياً للأطماع الخارجية – منها الولايات المتحدة – حيث تبقى الأطماع الاقتصادية هي العامل الأكبر الذي لن يحقق أي استقرار لهذا البلد الذي أنهكته الحروب.

ثروات ضخمة

تتمتع أفغانستان بميزة اقتصادية وجيو – سياسية كبيرة، إذ تقدّر ثروتها المعدنية بما يُعادل 1 تريليون دولار أي ما يعادل 820 مليار يورو بسبب ما تذخر به من خام الحديد والنحاس والليثيوم والكوبالت ومعادن أخرى، وقد ارتفعت قيمة هذه المعادن بشكل كبير على وقع التحول والتوجه العالمي صوب الطاقة النظيفة؛ وخلال العقد الماضي، لم يتم استغلال هذه الموارد والثروات الطبيعية بسبب الصراع الذي مزق أفغانستان، حيث قال هانز جاكوب شندلر، مدير مشروع مكافحة التطرف – CEP،  إن هذه الثروات الطبيعية والمعادن “كانت موجودة في التربة منذ تسعينات القرن الماضي”.

ويفيد أحدث تقرير سنوي عن موارد التعدين – صدر في كانون الثاني/يناير 2021 عن المعهد الأميركي للدراسات الجيولوجية – أن أفغانستان “لديها مناجم من البوكسيت والنحاس والحديد والليثيوم والأتربة النادرة”. وفيما يحاول العالم الاستغناء عن الوقود الأحفوري، مثل النفط والغاز، يزداد الطلب على هذه المعادن لنقل أو تخزين الكهرباء؛ وهكذا ارتفع سعر النحاس، وهو عنصر أساسي في صناعة الأسلاك الكهربائية إلى مستوى تاريخي هذا العام في الأسواق العالمية ليتجاوز 10 آلاف دولار للطن، أما الليثيوم فهو مورد أساسي لانتقال الطاقة إذ يُستخدم لتخزين الكهرباء في البطاريات ومنشآت توليد الطاقة الشمسية ومزارع الرياح. وفي العام 2020، أدرج الليثيوم على القائمة الرسمية المكونة من 30 مادة خام تعد “حاسمة” لتحقيق الاتحاد الأوروبي الاستقلالية في مجال الطاقة، إلى جانب الكوبالت والغرافيت والسيليكون والتنتالوم على وجه الخصوص.

من جانبها، قدرت وكالة الطاقة الدولية، مايو/أيار 2021، أن الطلب العالمي على الليثيوم سيتضاعف بمقدار 40 مرة بحلول العام 2040، إذ قال غيوم بيترون، صاحب كتاب “حرب المعادن النادرة”، إن أفغانستان “تعوم فوق مخزون هائل من الليثيوم لم يتم استغلاله حتى الآن”، وبالمثل تعد الأتربة النادرة مثل النيوديميوم أو البراسيوديميوم أو الديسبروسيوم الموجودة أيضاً في أفغانستان ضرورية في تصنيع المغناطيس المستخدم في صناعات المستقبل مثل طاقة الرياح والسيارات الكهربائية.

“شبيهة السعودية”

في العام 2010 أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية مذكرة داخلية بعنوان “أفغانستان: المملكة العربية السعودية لليثيوم” وذلك بعد أن اكتشف الجيولوجيون الحجم الهائل للثروة المعدنية للبلاد والتي تقدر قيمتها بما لا يقل عن 1 تريليون دولار. هذا المعدن الفضي ضروري لإنتاج السيارات الكهربائية وبطاريات الطاقة المتجددة، ويعتقد أن أفغانستان تمتلك أكبر احتياطي منه في العالم.

وبعد أعوام من الصراع، ظلت هذه الموارد غير مستغلة بالكامل تقريباً، حيث كانت الولايات المتحدة تتطلع إلى فصل سلاسل إمداد الطاقة النظيفة عن الصين التي تعتبر أكبر منتج لليثيوم في العالم (حيث وقعت بكين عقوداً لإستثمار هذه المادة في أفغانستان)، فإن وضع المعادن في أفغانستان تحت سيطرة حركة “طالبان” يشكل ضربة قاسية للمصالح الاقتصادية الأمريكية، حيث قال رود شونوفر، رئيس برنامج الأمن البيئي في مركز المخاطر الاستراتيجية وهو مركز أبحاث في واشنطن، إن “طالبان تتربع الآن على بعض أهم المعادن الاستراتيجية في العالم”.

وأدت التحديات الأمنية والافتقار إلى البنية التحتية والجفاف الشديد إلى تعذر استخراج المعادن الأكثر قيمة في الماضي. ومن غير المرجح أن يتغير هذا قريباً تحت سيطرة “طالبان” على البلاد، لكن لا يزال هناك اهتمام من دول مثل الصين وباكستان والهند، التي قد تحاول الانخراط في استخراج تلك المعادن على الرغم من الفوضى.

موارد حالية

تدر المعادن مليار دولار فقط على اقتصاد أفغانستان سنوياً، ويذهب ما نسبته من 30% إلى 40% من تلك المداخيل اختطفها الفساد، وكذلك أمراء الحرب والحركة، التي ترأست مشاريع تعدين صغيرة. من هنا، يقول شونوفر، الخبير في الاضطرابات البيئية العالمية وتغير المناخ، إنه لا يزال هناك احتمال أن تستخدم “طالبان” قوتها الجديدة لتطوير قطاع التعدين، مضيفاً “لن يحتاج هذا التعدين إلى أن يكون غير منظم” بعد وصول “طالبان” للسلطة.

أيضاً، تمتلك أفغانستان ثروات باطنية هائلة، حيث تُعرف بشكل أساسي بغناها بالأحجار الكريمة مثل اللازورد والزمرد والياقوت والتورمالين وكذلك بمسحوق التلك أو الرخام، كما أنها تنتج الفحم والمعادن التقليدية مثل الحديد؛ وفي حين يجري استغلال مناجم الأحجار الكريمة رسمياً، تشكل تجارتها هدفاً للتهريب غير القانوني على نطاق واسع إلى حد ما مع باكستان المجاورة، وهو ما كشف عنه أحدث تقرير لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

الآفاق الاقتصادية 

تُعتبر أفغانستان واحدة من أفقر دول العالم، حيث يعيش 90% من سكانها على أقل من 2 دولار/يومياً، إذ تعتمد البلاد بشكل كبير على المساعدات الخارجية رغم ما تملكه من ثروات قد تجعلها الأولى عالمياً (حوالي 3 تريليون دولار بحسب بعض المصادر)؛ فقبل بدء هجوم “طالبان” في جميع أنحاء البلاد، تعهد المانحون الدوليون بتقديم 12 مليار دولار لدعم الفترة 2021 – 2024. من جانبه، لم يدفع صندوق النقد الدولي إلى الآن الدفعة الأخيرة من “التسهيلات الائتمانية الموسعة”، والتي تهدف إلى دعم الاقتصاد المتأثر بالأزمة الصحية المرتبطة بفيروس “كوفيد – 19″، وتتمثل في 105 ملايين دولار. أما الآن وقد استولت “طالبان” على السلطة، لم يعد مؤكداً أن تستمر المساعدة الإنمائية للبلاد. فوزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، كان صريحاً قبل أيام قليلة، مع تسارع تقدم الحركة، قائلاً “لن نعطي سنتاً أكثر إذا استولت طالبان على السلطة وفرضت الشريعة”، وكانت ألمانيا تخصص سنوياً مساعدات بقيمة 430 مليون يورو لأفغانستان.

بالتالي، من المحتمل أن تكون العواقب الإنسانية خطيرة على السكان الذين يعتمدون في غالبيتهم على المساعدات الخارجية في التنمية الاقتصادية والتعليم والصحة. لكن على ما يبدو أن عناصر “طالبان” يدركون هذه المخاطر، فهم يحاولون ضمان التطبيع ويطلبون من الأفغان وخاصة موظفي الخدمة المدنية، الذهاب إلى العمل كالمعتاد.

معضلة جديدة

بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، الظاهر يبدو أن واشنطن خسرت ثروات هائلة؛ بالتالي، تواجه الولايات المتحدة وأوروبا، اللتان تعتمدان على واردات الصين من معادن الأرض النادرة، معضلة جديدة حيال أفضل السبل للانخراط مع “طالبان” فيما يتردد العديد من المستثمرين الغربيين في تقديم العطاءات في مناقصات خاصة بمشاريع الموارد الطبيعية بسبب المخاوف الأمنية وغياب سيادة القانون في أفغانستان.

ففي حالة انخراط الدول الغربية مع “طالبان”، فإنهم سوف يتعرضون لانتقادات كبيرة بسبب تجاهل انتهاك الأخيرة لحقوق الإنسان وإقدامها على الإطاحة بالحكومة الأفغانية وإنهاء الديمقراطية الوليدة في البلاد، وفي حالة سيناريو الرفض، فإن الدول الغربية سوف تخسر سباق الاستفادة من ثروات أفغانستان المعدنية لصالح الصين وحلفاء طالبان التقليديين.

سباق اقتصادي

في الوقت الذي هددت فيه الدول الغربية بعدم العمل مع “طالبان” عقب سيطرتها على العاصمة كابل، تتزاحم الصين وروسيا وباكستان للبدء في تدشين أعمال تجارية مع الحركة ما يزيد من “إذلال” الولايات المتحدة وأوروبا على الساحة الدولية على خلفية سقوط أفغانستان؛ ونظراً لأن الصين تعد الدولة التي تصنع نصف البضائع الصناعية في العالم، فهي تعمل على تأجيج الطلب العالمي على هذه السلع، ومن المرجح أن تقود الصين التي تعد حالياً أكبر مستثمر أجنبي في أفغانستان، السباق لمساعدة الأخيرة في بناء نظام تعدين فعال لتلبية احتياجاتها الكبيرة من المعادن.

وقال مايكل تانشوم، زميل بارز في المعهد النمساوي للسياسة الأمنية الأوروبية، إن سيطرة “طالبان” على أفغانستان “تزامنت مع نشوب أزمة في المعروض من هذه المعادن في المستقبل المنظور فيما تحتاج الصين إلى هذه المعادن”، وأضاف “الصين بدأت تخطو خطواتها داخل أفغانستان من أجل تعدين هذه المعادن”.

“طريق الحرير”

سلط الإعلام الصيني الرسمي الضوء على الاستفادة التي يمكن أن تحققها أفغانستان من مبادرة “الحزام والطريق” الضخمة لجهة كيفية التعاطي مع المخاوف الإقليمية إذ قد تكون شبكة خطوط الأنابيب التي تزود الصين بالنفط والغاز، في دائرة الخطر في حال امتداد أعمال العنف إلى دول آسيا الوسطى الأخرى، حيث تخشى الصين من أن تصبح أفغانستان ملجأ للعناصر التي تصفها بكين بالمتشددة والانفصالية من أقلية “الإيغور” المسلمة، فضلاً عن قلق الصين من تقويض مصالحها الاقتصادية جراء استمرار العنف داخل أفغانستان.

من هنا، يمكن القول بأن الأمن هو الهدف الأساس التي تطمح إليه الصين قبل الإستثمار، وتبلور ذلك من خلال اجتماع جرى منذ فترة قصيرة في بكين بين وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، ورئيس المكتب السياسي للحركة، حيث تعهدت الأخيرة بأن أفغانستان لن تكون قاعدة معادية للمصالح الصينية.

هذا بالنسبة للصين، أما فيما يخص باكستان فهي تستعد للانخراط في هذا السباق بالنظر إلى أن إسلام أباد قد حافظت على علاقات جيدة مع “طالبان” خلال الوجود الأمريكي في أفغانستان، ما دفع واشنطن في حينه إلى اتهام إسلام أباد بإيواء مقاتلي الحركة. أيضاً، تعتبر باكستان – التي ساعدت طالبان في السيطرة على أفغانستان العام 1996 – من أكبر المستفيدين من “طريق الحرير” الصيني؛ بالتالي، لدى باكستان “مصلحة محققة إذ من المحتمل أن يتم نقل المواد على طول الطريق التجاري من باكستان إلى الصين”.

أخيراً، هذه التطورات التي تبيّن أن في غالبيتها تصب في المصلحة الصينية، من خلال الاستحواذ على المشاريع الكبرى من خلال العلاقات الجيدة مع “طالبان”، كذلك مبادرة “الحزام والطريق”.. كل هذه التطورات لا يمكن أن تسمح بها الولايات المتحدة، فهي انسحبت نظرياً لكن بالمعنى العملي لا تزال قواتها موجودة وسبق وأن أدخلت 3000 جندي جديد إلى أفغانستان، فضلاً عن تواجد حلفائها في المنطقة (تركيا وبريطانيا) داخل كابل، بالإضافة إلى منحها الشرعية لـ “طالبان” كحل أخير، لكن هذا الأمر وهذه الأحداث ما هي إلا مؤشر جديد على بداية صراع طاقة جديد بين واشنطن وبكين على المسرح الأفغاني.

مصدر الأخبار: سيتا + وكالات.

مصدر الصور: نيويورك تايمز – Gulf News.

موضوع ذا صلة: الرد الصيني: المعادن النادرة مقابل “هواوي”؟!


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •