شارك الخبر

الجيوش غالية التكاليف، إذ يحتاج الجيش المحترف إلى التعليم والتدريب والتجهيز والصيانة. فقد تم تصميم الجيوش وتنظيمها بشكل أساسي لمواجهة العدوان الأجنبي، والاستجابة بشكل مناسب للتهديدات الأمنية غير التقليدية مثل النزاعات الداخلية، والجريمة العابرة للحدود الوطنية، والقرصنة البحرية، والإرهاب، وانتشار الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة. سوف نتطرق الى دور الجيش والقوى المسلحة من خارج المهام الأساسية المنوطة بها، وأقصد هنا اسهامات تلك القوى في المجالات المدنية ودور الخبرات المدنية في الحقل الدفاعي.

أولاً: إسهامات القوى العسكرية في المجالات المدنية

من الملاحظ، وعلى نحو متزايد، يتم نشر الجيوش للقيام بأعمال الشرطة، وهي وظيفة مختلفة كثيراً عن القتال العسكري. وهذا بدوره يوجه السهام الى القوى العسكرية في منظار سجلات حقوق إنسان، نظراً لنقص التدريب والكفاءة المهنية في هذا الحقل.

وللاستجابة بشكل أفضل للتهديدات الفعلية للبلدان وكذلك لتعزيز الكفاءة المهنية لجيوشها، وجب على الحكومات أن تبدل نظرتها إلى قطاع الأمن، وصولاً الى تبني “الشرطة المجتمعية”. إن إعادة تنظيم هياكل وبنيات قوات الأمن لتتناسب بشكل أفضل مع التهديد الذي يتم تحديده، وإدماج تلك المهام في سياسة دفاعية شاملة ومتسقة، من شأنها أن تعزز أهمية الجيوش وقدرتها على العمل وهيبتها.

إن انتهاج منظمات حقوق الإنسان لنهج يقر بمخاوف الشرطة وواقعها ويتفهم لغة الشرطة سوف يكون أكثر فاعلية من نهج يعزل نفسه جانباً، ويكتفي بالانتقاد من موقعه الخارجي. والمؤكد أن مثل هذا النهج يتطلب أن يكون جهاز الشرطة إيجابيا في تعامله مع بواعث القلق بشأن حقوق الإنسان ومع الإصلاحات القائمة على أساس مبادئ حقوق الإنسان إذا لزم الأمر.

في لبنان، كمثال، فقد واظب الجيش اللبناني منذ نشأته، على أداء هذه المهمة، إذ كان له دور كبير في إنشاء البنية التحتية للبلاد والتخفيف من معاناة المواطنين خصوصاً خلال الأزمات والكوارث، ومن أبرز هذه المهمات:
• بناء الجسور الثابتة والمتحركة، خصوصاً خلال الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان.
• المساهمة في إعادة إنشاء البنى التحتية من ماء وكهرباء وطرقات… إلخ، في الأماكن المتضررة، نتيجة الإعتداءات الإسرائيلية والأحداث الداخلية.
• شق طرقات في القرى والبلدات النائية.
• المساهمة في إطفاء الحرائق، والقيام بحملات تحريج واسعة.
• تأهيل القلاع الأثرية والأماكن السياحية، وتنظيف الشواطئ والأنهر والبقع البحرية الملوثة بالنفط، لا سيّما بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان، العام 2006.
• إدارة الكوارث الطبيعية بالتنسيق مع الأجهزة المعنية في الدولة، وتشكيل لجان مختصة لتخمين أضرار هذه الكوارث.
• إغاثة المواطنين المحاصرين بالثلوج والسيول وتوزيع مواد غذائية وطبية عليهم، والقيام بحملات تلقيح للأطفال في الأماكن النائية.
• توزيع مساعدات مختلفة على المناطق الفقيرة أو المتضررة من الأحداث، بالإضافة الى توزيع مساعدات على بعض المدارس والمستشفيات والبلديات…إلخ، في إطار برنامج التعاون العسكري – المدني CIMIC وبرامج أخرى.
• رفد أجهزة الدولة بالوسائل والخبرات اللازمة، وتعزيز التعاون العلمي والثقافي مع الجامعات الوطنية وهيئات المجتمع المدني.

جيوش وقوات عسكرية وشرطية في ساحة الحرب ضد كورونا

من ناحية أخرى، أصبحت مواجهة انتشار فيروس “كورونا” المستجد الشغل الشاغل الذي يحرك دول العالم الآن. مواجهة الفيروس دفعت دولاً عربية وغربية إلى إعلان حالة الطوارئ وتفعيل عمل الجيوش وأجهزة الشرطة وحرس الحدود لمنع انتشاره؛ حيث تدخلت تلك القوات لفرض الالتزام باتباع تعليمات الحجر الصحي، ومنع التجوال في حالات عدة، فضلاً عن مشاركتها في بعض المهام المدنية، واستعانة السلطات بالطواقم الطبية العسكرية.

أصبح لقوات حرس الحدود دور أساسي في مقاومة تفشي الفيروس، خصوصاً بعد إغلاق حدود دول “شنغن” لأول مرة في تاريخ الاتحاد الأوروبي. ولعلّ تجربة بكين الناجحة باستدعاء جيش التحرير الشعبي الصيني، وفاعليته في مراحل التصدي للفيروس، جعل من التجربة مثالاً ارتأت بعض الدول تطبيقه.

أوروبا تلجأ لتعبأة جيوشها ضد “كورونا”

في دول الاتحاد الأوروبي أصبح الجيش أحد سبل مواجهة الفيروس، إذ قامت فرنسا باستدعاء جنودها لتطبيق حالة الطوارئ، ونشرت قواتها في المناطق المتضررة، في حين أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون عن بدء إقامة مشفى عسكري في منطقة الإلزاس، القريبة من الحدود الألمانية. بينما لجأت إسبانيا للجيش بالفعل لفرض حظر التجول، فيما قررت السلطات السويسرية تعبئة نحو 8000 جندي لتقديم يد المساعدة للحكومة في حال تفشي المرض.

وأعلنت الحكومة الألمانية على لسان وزيرة الدفاع، أنيغريت كرامب – كارنباور، أن الجيش الألماني يجري استعداداته للمساعدة في جهود التعامل مع أزمة فيروس كورونا في حالة تعرض المؤسسات المدنية الأخرى لضغوط تفوق طاقتها في التعامل مع تفشي الفيروس. وقالت الوزيرة “نستعد لأسوأ الاحتمالات إذا أصيب عدد كبير جدا من الناس، ولدينا الموارد البشرية للمساعدة”. ووصفت كرامب – كارنباور مكافحة فيروس “كوفيد – 19” بأنه ماراثون.

وأجريت اتصالات بالفعل مع مئات من ضباط الاحتياط الطبيين بالقوات المسلحة وسيكون الجيش قادراً على حماية البنية الأساسية الحيوية وتوزيع المعدات الطبية والأدوية إذا لزم الأمر. ونقل موقع “شبيغل أونلاين” عن وزيرة الدفاع الألمانية أن النظام الصحي التابع لمؤسسة الجيش هو شريك للنظام الصحي في ألمانيا، ويعمل في الجيش نحو ثلاثة آلاف طبيب.

الشرطة ودوريات حماية المستهلك

لعلَ دور الشرطة كان الأبرز بين مؤسسات الدول، إذ توجهت إليها الحكومات من أجل فرض إجراءات الحجر الصحي بين المواطنين، فعلى سبيل المثال تدخلت الشرطة في الجزائر لإنهاء حفل زفاف خالف الإجراءات الاحترازية لمجابهة فيروس “كورونا” المستجد، بناء على ما ذكرته مصادر إعلامية جزائرية.

أما في مصر، فإن عناصر الشرطة ساهمت في توجيه المواطنين لاتخاذ تدابير صحية، فقد طالبت المواطنين بعدم التجمع ومنعت كذلك حفلات الزفاف، وقامت بإغلاق المقاهي والمراكز التجارية وأماكن تجمع الأفراد. وفي العراق، حملت الشرطة على عاتقها عملية تقديم التوعية للمواطنين بكيفية الوقاية من الفيروس.

أما على المستوى الأوروبي، فإن الشرطة أصبحت في كل من إيطاليا وفرنسا وإسبانيا جزءاً من القوات الحكومية للسيطرة على تحركات المواطنين، وقد قامت عناصر بتوجيه المواطنين، وتطالبهم بفض التجمعات والالتزام بحظر التجول.

وبشكل عام فإن الحكومات ستتوجه لطلب مساعدة الشرطة في حال رغبتها بتطبيق قوانين حالة الطوارئ، أو إنفاذ العقوبات على المخالفين، بالإضافة إلى أنها تلعب دوراً هاماً إلى جانب دوريات مراقبة أسعار المنتجات، إذ عملت في مصر على مساندة موظفي حماية المستهلك في مراقبة الأسعار وتنظيم مواعيد إغلاق المحال التجارية. ومن المتوقع أن تلجأ بعض الدول العربية إلى الشرطة ودوريات مراقبة الأسعار من أجل الحفاظ على سلاسة التعامل التجاري، والتخلص من أي اضطراب قد يصيب المخزون التمويني.

إسهامات كبرى للجيوش العربية ضد الفيروس

عربياً، كان الأردن من بين الدول التي استخدمت جيشها في تطويق المدن إلى جانب عدد من المنشآت والمؤسسات، ومنع حركة المواطنين، ضمن ما يطلق عليه بـ “قانون الدفاع”، والذي يمنح بموجبه الحكومة صلاحيات مطلقة. وعملت قوات حرس الحدود الأردنية على مراقبة القادمين للدول التي أعلنت حالة الطوارئ، على فرض الحجر الصحي على المواطنين فور وصولهم لبلدهم، وتم نقل المسافرين القادمين من مختلف الدول إلى أماكن الحجر المختلفة في المملكة.

ولعلّ من أهم الأدوار التي قد يستطيع الجيش لعبها، هو تفعيل طواقمه العسكرية الطبية كما حدث في فرنسا، وكذلك الصين، التي استغلت خبرة الطواقم العسكرية العاملة في مجال الأوبئة للتعامل مع المرض. وينطبق هذا أيضاً على الكليات الطبية العسكرية في الدول العربية، ومن بينها مصر. ولكن يبقى الحديث عن قدرة هذه القوات على تنفيذ المهام المنوطة بها أمراً محل جدل بين المواطنين، كما أشارت بعض المشاركات على مواقع التواصل الاجتماعي مثل “تويتر”.

كما ساهمت القوات شبه العسكرية، مثل الدرك الملكي في المغرب، في تعقب مغاربة مشكوك بإصابتهم بعد عودتهم من رحلة خارج البلاد، بناء على ما ذكرته صحف مغربية، وقد جاب الدرك المدن والقرى المتوقع انتشار المرض فيها، لتحديد أماكن الأشخاص المشتبه بإصابتهم، وإخضاعهم للفحوصات الطبية والتحاليل المخبرية الأولى.

ثانياً: كيف تخدم الخبرات المدنية قطاعات الدفاع العربية

كما ذكرنا في المقدمة، فهناك دور كبير للخبرات المدنية في تظوير القدرات الدفاعية، ومن هنا تبرز الحاجة الى تلك الخبرات في بناء استراتيجية دفاعية تؤمن الأمن القومي للبلد. تُعدّ الخبرات المدنية في مجموعة واسعة من الاختصاصات في غاية الأهمية كي تتمكن القوات المسلحة الحديثة من العمل بشكل فعّال. وتشمل هذه الاختصاصات مجالات تقليدية، كالتخطيط الاستراتيجي ووضع ميزانيات طويلة الأمد، وصولاً إلى التحديات التكنولوجية والتنظيمية والعقائدية الناشئة عن الحروب الآلية والروبوتية والأمن السيبراني. كما تُعتبر عمليات صنع القرارات المستندة إلى البيانات وأنظمة تبادل المعلومات المتكاملة أساسية من أجل معالجة هذه القضايا، مع الإشارة إلى أنه ليس باستطاعة أي قطاع دفاعي في العالم اكتساب مثل هذه المهارات من دون انخراط جهات مدنية متنوعة.

في هذا الإطار، تعمد قطاعات الدفاع في جميع الدول التي تملك جيوشاً متقدّمة، سواء في الغرب أو روسيا أو الصين، وحديثاً في بعض جيوش دول مجلس التعاون الخليجي، إلى توظيف آلاف المهنيين المدنيين في المجالات المذكورة آنفاً، فضلاً عن عملها مع مدنيين أكفّاء من خارج الحكومة. ونتيجةً لغياب مثل هذا التعاون في بعض الدول العربية، لا يزال أداء الكثير من قواتها المسلحة على أرض المعركة دون المستوى المطلوب، وتقف عاجزة عن توفير الدفاع الوطني بتوازن بين الكلفة والفعالية.

ونادراً ما تستفيد قطاعات الدفاع العربية من المساعدات العسكرية الخارجية الضخمة التي تتلقّاها بفعالية عالية. ويُعزى ذلك جزئياً إلى غياب المحاسبة الفعلية على أدائها، وأيضاً إلى أن معظم قطاعات الدفاع لا تستعين بالمهارات المدنية الأساسية التي يمكن أن تساعدها على استقاء الدروس والإفادة من المساعدات المقدّمة، يُضاف إلى ذلك أنها ترفض خوض أي نقاش عام حول السياسة الدفاعية.

يُعتبر تعزيز دور المدنيين في الشؤون الدفاعية العربية، إحدى الوسائل الواعدة لبناء علاقات مدنية عسكرية سليمة ومتوازنة، ما سيساعد في نهاية المطاف على تأسيس منظومة الأمن المفتوح التي من شأنها أن تحقّق مستقبلاً أكثر ازدهاراً وأمناً للمجتمعات العربية. في هذا السياق، تشير الدلائل الأولية في بعض الدول العربية – كدول مجلس التعاون – التي تنامى فيها دور المهنيين المدنيين إلى تحسُّن المحاسبة والأداء الدفاعي.

هنا، لا بدّ من التطرّق إلى ثلاثة جوانب للمشاركة المدنية من شأنها تحقيق التوازن في العلاقات المدنية –العسكرية في الدول العربية، وهي:

1. يمكن تعزيز انخراط المدنيين من خلال فتح نقاش عام حول الشؤون الدفاعية، ما يسمح بترسيخ خطط إعادة الهيكلة والإصلاح العسكرية والمصادقة عليها. ولا يؤدي ذلك إلى توفير فرص للابتكار والإبداع وحسب، بل يساعد المجتمعات أيضاً على تفادي خوض المشاكل نفسها مراراً وتكراراً. ففي لبنان مثلاً، حيث تستعين القوات المسلحة أحياناً بخبراء مدنيين في الشؤون الدفاعية، تبرز حلول جديدة من خلال التفاعل بين المدنيين والعسكريين.

2. يُعتبر انخراط المدنيين في الشؤون الدفاعية حجر الأساس الذي تُبنى عليه الشراكة المدنية العسكرية. فالعلاقات المدنية العسكرية ذات المنفعة المتبادلة تتطلب خبرة مدنية ومشاركة مؤسساتية في الشؤون الدفاعية في دوائر المجتمع المدني ومراكز الأبحاث والبرلمانات والدوائر المدنية الحكومية ووزارات الدفاع. فعلى سبيل المثال، أدرك القادة التونسيون ذلك، وبدأ المسؤولون المدنيون والعسكريون بالعمل معاً لمواجهة التحديات الأمنية المعقّدة.

3. يسهم انخراط المدنيين في تحسين عملية تخطيط السياسات الدفاعية. صحيحٌ أن توافر الفرص والإرادة السياسية أمر ضروري، لكن من الأفضل أن يستند ذلك إلى عمل مسبق في مجالي تخطيط السياسات واستراتيجيات الإصلاح. مثلاً، تدرّس كليّة جديدة للدفاع في الإمارات العربية المتحدة القادة المدنيين والعسكريين جنباً إلى جنب بهدف تطوير لغة مشتركة للتخطيط الاستراتيجي وصنع القرارات المرتبطة بالأمن الوطني. هذا الكادر من المفكرين الاستراتيجيين يرتكز على إرادة سياسية وطنية ترمي إلى صقل عملية تخطيط السياسات الدفاعية.

مصدر الصور: اليونيفيل – المركز المصري للدراسات.

موضوع ذا صلة: جيو – بوليتيك المياه في الشرق الأوسط: مخاطر واقترحات حلول

العميد م. ناجي ملاعب

باحث في الشؤون الأمنية والإستراتيجية – لبنان


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •