شارك الخبر

علوان أمين الدين*

في ظل التطورات الخطيرة التي تمر بها العلاقات الأمريكية – الإيرانية، ليس من الصدفة أن تطفو نداءات التهدئة على سطح الأزمة نظراً لما قد تؤول اليه الأمور، طبعاً للناحية السلبية، بحيث لا يعلم أي من الأطراف المآلات التي ستصل اليها. لذلك، من الجدير هنا الإشارة إلى عدة مسائل جدية حول التأثيرات، لا سيما السياسية والإقتصادية.

خسائر متبادلة

تعتبر مسألة الصواريخ البالستية احد الأسباب المهمة التي دفعت الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للإنسحاب من الإتفاق النووي نظراً لقوتها وتهديدها للمصالح الحيوية لواشنطن، وحلفائها، في المنطقة. ففي حال نشوب حرب في الخليج، من المتوقع أن تقوم إيران (وبما أن الحرب ستكون امراً واقعاً حينها) بإستهداف القواعد الأمريكية البرية والبحرية مباشرة، لا الدول الحليفة لواشنطن، وهو ما سيستدعي ضربة عسكرية أمريكية “عاصفة”، كنوع من رد الإعتبار والحفاظ على هيبتها كقطب أحادي.

يأتي كل ذلك في وقت تتجه فيه الدول الكبرى اليوم إلى استعمال أساليب متنوعة من القوة غير مكلفة وبطرق مختلفة، كالتشدد في استعمال العقوبات والحظر الإقتصادي، ما يقلل من خسائرها على الكثير من الأصعدة، إذ يصبح اللجوء إلى القوة العسكرية مستبعد إلى حد كبير.

الإسقاط من الداخل

قد يبدو من الأسهل على الولايات المتحدة دعم “ربيع” إيراني بدلاً من زج قواتها في حرب ضروس، خصوصاً وأن العديد من الخبراء العسكريين يرون بأن الجنود الأمريكيين يشكلون “صيداً سهلاً” للصواريخ الإيرانية. من هنا، يمكن ربط الأمر بما تقوم به واشنطن من تحسين لوضعيتها في المنطقة المحيطة بإيران؛ فهي تقوم بالتفاوض مع حركة طالبان، في أفغانستان، وعلاقاتها مقبولة مع باكستان، والجيش التركي هو جزء من حلف الناتو. فقد تكون إحدى ركائز الخطة إحكام الطوق من الخارج قبل الشروع في إشعال الوضع الداخلي مراهنين على تأثيرات العقوبات الإقتصادية لجهة الأوضاع المعيشية الصعبة التي تمر بها طهران. الأمر نفسه يتم إتباعه مع فنزويلا من خلال محاصرتها بين فكي كماشة البرازيل وكولومبيا، حليفتا واشنطن.

غير أن هذه الجزئية تشوبها بعض المعوقات نظراً لتماسك النظام وقوته من حيث صموده لسنوات طويلة أمام التهديدات والعقوبات من جهة، والدعم الذي ستحصل عليه طهران من الحلفاء، كروسيا والصين، من جهة أخرى كون موقعها يعد استراتيجياً لجهة قلب آسيا، ما سيسهل “فصل القارة” من البوابة الإيرانية.

إستعمال الوكلاء

بعدما تحدث الرئيس السابق، باراك أوباما، عن النهج الأمريكي الجديد في التعامل مع الأزمات بمقولة “لا جنود على الأرض – No Boots on the Ground”، يبدو أنه من المستبعد اللجوء إلى القوة العسكرية في الأزمة مع إيران، كون الأخيرة تمتلك أيضاً نفوذاً في المنطقة من خلال حزب الله في لبنان إلى الحشد الشعبي في العراق وصولاً إلى أنصار الله في اليمن، مما سيشعب نقاط الصدام إلى نحو لا يريده أي طرف من الأطراف بالرغم من ما نراه من تعبئة نفسية وتهديدات عسكرية من الجانبين، كل بما يتناسب مع حساباته، حيث يظهر من خلال مراقبة التصريحات الثنائية عدم الرغبة في خوض الحرب.

هنا يأتي الحديث عن تفجيرات الفجيرة. فبغض النظر عن الجهة التي قامت بها، إلا أن لها قراءات متعددة تتمحور فيما يلي:

أولاً: تزامن وقوع التفجيرات مع مرور حاملات الطائرات “أبراهام لنكولن” في البحر الأحمر، وبالتالي “توريطها” في نزاع قبل وصولها إلى مياه الخليج، وهي رسالة يُعتقد بأن الجيش الأمريكي قد أدركها جيداً، بغض النظر عن التصريحات السياسية الأولية التي صدرت عن واشنطن بإتهام إيران.

ثانياً: مع وصول إحدى أكبر الحاملات إلى الخليج، إلا أن أمنه لا يزال يفتقد إلى السيطرة المحكمة إذ تعد هذه الحادثة خرقاً أمنياً مهماً يمكن البناء عليها في أية مواجهة مقبلة، لا سيما مع الحديث عن الجيل الجديد من الحروب المتمثل في الطائرات المسيرة ذاتياً أو “الدرونز”.

لا أحد يريد الحرب

على الرغم من الرغبة في “كسر أنف” إيران لوقف تمدد نفوذها في المنطقة، إلا أن يمكن مشاهدته هو خوف العديد من الدول، الخليجية تحديداً، من وقوع تلك المواجهات العسكرية بسبب عدم القدرة على معرفة النتائج مسبقاً وما ستؤول إليه الأمور مستقبلاً إذ انها قد تتدحرج إلى نشوب حرب عالمية ثالثة بكل سهولة نظراً لأن أطرافاً دولية متعددة سترى نفسها مضطرة إلى الدخول فيها بطريقة أم بأخرى.

وفي شق متصل، ستكون واشنطن قادرة على الإستفادة من صفقات الأسلحة، إلى دول الخليج تحديداً، أكثر طالما لم تتورط هي بالحرب. فهي لا تنفك عن إظهار طهران كـ “فزاعة” ما يعطيها قدرة على إبرام صفقات جديدة مربحة كل مدة. أما إذا دخلت هي مباشرة في الحرب، فعليها تحمل الكثير من الخسائر، وإن كان يرى الكثير من المتابعين بأنها ستقوم بتدفيع حلفائها للفاتورة، ولكن هناك “فاتورة بشرية” ستدفعها هي وحدها، وهو ما لا يريد الرئيس ترامب حصوله خصوصاً وأنه يريد الترشح إلى ولاية رئاسية جديدة بدون عوائق.

“إشتعال” أسعار النفط

هذه المسألة تعد بديهية نظراً لأن أغلبية الإنتاج العالمي تمر عبر مضيق هرمز حيث تشير العديد من المعلومات بأن ما يقارب على الـ 17 مليون برميل، من أصل 30 مليون برميل، من النفط تمر عبره يومياً مما يؤثر على أمن الطاقة العالمي. بإغلاقه، ستقفز الأسعار العالمية إلى مستوى عالٍ جداً وغير متوقع. ليس هذا فحسب، بل أن هناك خطر كبير على مضيق باب المندب أيضاً من قبل الحوثيين. فعلى الرغم من انسحابهم من مناطق ساحلية عدة، كميناء الحديدة وبحسب إتفاق ستوكهولم، إلا أن قدرتهم العسكرية بإستطاعتها استهداف أية باخرة عابرة للمضيق، إذ سبق وأن قاموا بإستهداف سفن عسكرية إماراتية في تلك المنطقة، هذا على الصعيد المحلي.

أما على الصعيد العالمي، سيكون المستفيد من هذه الأزمة خصمي الولايات المتحدة أي روسيا وفنزويلا. بالنسبة إلى موسكو، إن ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير سيزيد من الإحتياطي النقدي لديها، الذي بدأ بالتعافي تدريجياً، ما يفوق خسارتها بعد تدهور الأسعار، في العام 2014 وما تلاها، خصوصاً وأن الحديث عن أن الإنتاج الأمريكي يستطيع تغطية الإحتياجات العالمية أمر غير دقيق.

أما بالنسبة إلى كراكاس، فإن ارتفاع أسعار النفط ستكون بمثابة تقديم “طوق النجاة” للرئيس نيكولاس مادورو لناحية إنعاش البلاد اقتصادياً في ظل الأزمة التي تمر بها مع ما يصاحبها من ضغط أمريكي عليها لإسقاط النظام.

وفي إشارة مهمة أيضاً، يمكن النظر إلى تصريحات الرئيس ترامب لجهة الضغط على الدول المنتجة لزيادة إنتاجها وخفض أسعار النفط كونها تعتبر من أكبر الدول الصناعية المستهلكة؛ وبالتالي، فإن أي غلوٍ في السعر سينعكس على المصنعين الأمريكيين وارتفاع تكلفة منتجاتهم ما سيفقدها القدرة على المنافسة.

إنتصار روسي

لن تقوم الإدارة الأمريكية بإسداء خدمة مجانية لموسكو في أي مجال من المجالات. ففي حال وقعت الحرب، ستقف الولايات المتحدة بمواجهة حليف روسيا لا روسيا نفسها، وهذا سيعطي موسكو ورقة رابحة في اتجاهين؛ الإتجاه الأول، توريط واشنطن في حرب جديدة في وقت تتعافى فيه روسيا سياسياً واقتصادياً، إلى حد ما على عكس ما حدث في الحرب على أفغانستان العام 2001 وغزو العراق العام 2003، وبالتالي إضعاف الخصم. أما الإتجاه الثاني، فسيتمثل بـ “ابتزاز” الحليف لتمرير المصالح في بعض المناطق، كسوريا مثلاً، وهو أمر مشروع في العلاقات الدولية.

في الخلاصة، إن ما يحدث في الخليج هو أقرب إلى الضغظ للجلوس إلى طاولة المفاوضات وليس التصعيد العسكري الذي لا يخدم أحداً، ما لم تدخل عناصر أخرى على خط التوتر، وهو ما يفسر زيارة الرئيس السويسري إلى واشنطن، وإعلان الرئيس ترامب عن وجود خط مفتوح في حال الرغبة بالتفاوض وإبلاغه وزير الدفاع بالوكالة، باتريك شاناهان، رسالة مفادها أنه لا يريد الدخول في حرب مع إيران بل يريد “كبح جماحها” فقط، وذلك بحسب معلومات لجريدة “نيويورك تايمز”. وعلى الجانب الإيراني، أن الحديث عن إغلاق مضيق هرمز أتى بعد التشدد الأمريكي وبروز بعض التطورات العسكرية التي قد تخيف طهران؛ وبالتالي، هذا الإعلان جاء كردة فعل على إجراءات معينة لا أكثر.

إلى ذلك، من المهم الإشارة إليه هنا أنه وقبل الإعلان عن بدء التفاوض بين الفريقين، الأمريكي والإيراني، سادت العديد من المواقف التصعيدية بينهما إلى أن توِّجت بالتوصل إلى الإتفاق النووي العام 2015، علماً بأن العديد من المصادر حينها ذكرت بأن المفاوضات كانت تجري سراً في سلطنة عمان قبل ثلاثة أعوام من التوقيع.

لا شك بأن الحرب مكلفة على الجميع ولا أحد يريدها بالرغم من الحديث عنها، إلا أن احداً لا يعلم ما يتم حياكته في الخفاء أو ما إذا كان هناك طرف سيستفيد منها، ويوظفها لمصلحته من دون أن يدفع فاتورتها.

 

*مؤسس ومدير مركز سيتا.

مصدر الصور: The National – القبس.


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •