شارك الخبر

د. محمود الأفندي*

في منتصف شهر مارس/آذار 2011، إنطلقت الحركات الاحتجاجية في سوريا معلنة وصول رحلة ما يسمى بـ “الربيع العربي” إليها؛ وبغض النظر عن الأسباب الداخلية والخارجية التي تكمن وراء اندلاع هذه الإحتجاجات الشعبية، فلا بد من القول إن نتائجها الكارثية وقعت نوائبها على الشعب السوري بكل أطيافه حيث إنقسم الشعب السوري بين مؤيد ومعارض وحيادي، والفئة الأخيرة هي شريحة تشكل أغلبية المجتمع لكونها تهتم بحياتها الإجتماعية وتنأى بنفسها عن السياسة بشكل عام.

ومن الجدير ذكره أن الفئة الحيادية، والتي أطلق عليها في مصر اسم “حزب الكنبة”، تشكل غالباً بين 35% إلى 45% من المجتمعات العالمية. على سبيل المثال، يشارك في الانتخابات الديمقراطية للدول عادة حوالي 55% من الشعب وقد تصل النسبة إلى 60% على أحسن تقدير.

لقد وقعت هذه الفئة الحيادية من الشعب السوري تحت وطأة عقوبات فرضت بغية زجهم في الإحتجاجات والمظاهرات، ولم يقف الأمر هنا بل وصل الأمر للضغط على بعض المدن، وهذا ما حدث في مدينة حلب. من المعروف أن حلب مدينة صناعية وتشكل “الرئة الإقتصادية” لسوريا، وهي ذات نشاط سياسي ضعيف، فقامت بعض الفئات، التي سمت نفسها “المعارضة”، بسرقة معاملها وريفها كعقوبة، حسب ما صرحت به تلك المعارضة، لعدم مشاركة أهاليها في مظاهرات مناهضة للدولة، وتطورت ظاهرة العقوبات لتطال الجميع على كل الأراضي السورية. كانت نتيجة هذا الأمر لجوء الأهالي إلى الهجرة حفاظاً على أمنهم واستقرارهم وممتلكاتهم، وهو ما أدى إلى حدوث فوضى عارمة كانت نتائجها سلبية على نسيج المجتمع، وشاع في الشارع السوري التلويح بالأسلحة والتفنن بالقتل تحت مسمى “الإرهاب” والتشبيح.

من هنا، تفاقم الوضع سوءاً من خلال هذه الفوضى على كامل الأراضي السورية؛ فقد باتت سوريا تشكل منطقة خصبة لدخول العديد من التنظيمات الإرهابية، حيث دخل تنظيم “داعش”، أو الدولة الإسلامية في العراق والشام، عبر العراق وسيطرت على المناطق الحدودية التي كانت تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، وسرعان ما لاقت ترحيباً لدى سكان هذه المناطق بسبب معاناتهم من فساد قوات الفصائل المسلحة التي خضعت لعقاب “داعش” بإعدامهم في الساحات العامة وسط تصفيق الشعب، بذلك ظهر “داعش” على أنه “المنقذ” والمخلص بالنسبة إليهم.

لكن الواقع أن الشعب قد فقد بوصلة الإنتماء الوطني، وظهر لهم ذلك بعد أن حاول التنظيم فرض قوانينه وأعرافه وشريعته، وقام بتنفيذ عقوباته على المخالفين منهم بالذبح والقتل، فما كان من الشعب إلا أن يخضع مجبراً لمقامرة من نوع خاص لاجئاً للهروب إلى مختلف بقاع العالم، واضعاً مصيره تحت رحمة رحلات برية وبحرية غير مضمونة النتائج، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، لم يكن الوضع أحسن حالاً في المدن التي خضعت لسيطرة الدولة السورية، فقد عانى الكثيرون من استغلال البعض واستخدامهم لأسلوب الخطف والإبتزاز معلقين أسباب فسادهم على شماعة الأزمة السورية ووجود احتجاجات مناهضة.

وفي الوقت الذي كانت تتعالى فيه أصوات السلاح، تشكلت مجموعة من شخصيات جديدة في المجتمع، أو عرف بـ “أغنياء الحرب”، وهم فئة باتت تقود الإقتصاد السوري وتتحكم بأذرعه محولين اقتصاد البلاد إلى اقتصاد الحرب وخاصة بعد أن قامت بتغذية أذرعٍ لها في مؤسسات الدولة الحيوية، وهذا ما تؤكده الإثباتات التي ظهرت في الداخل السوري.

من المعروف أن مناطق سيطرة المعارضة كانت تحصل على الدعم والمساعدات من الدول المجاورة الداعمة للمعارضة، ولكن مدن الداخل السوري كانت تصل إليها أدوات الدعم عن طريق التهريب الذي سهل عمله القائمون على اقتصاد الحرب، مثل ريف دمشق وريف حمص الشمالي؛ على سبيل المثال، إن ربطة الخبز التي يبلغ ثمنها 50 ليرة أصبحت تباع بـ 10 آلاف ليرة في مناطق سيطرة المعارضة. أيضاً، نشطت عمليات تهريب السلاح في تلك الفترة، وهذا ما تدل عليه الأعداد الكبيرة من الأسلحة التي وجدت في ريف دمشق.

بالتالي، إن إستمرار الأزمة السورية من شأنه أن يبقي ويقوي مرتزقة اقتصاد الحرب، وهذا ما ذكره أحد المسؤولين الروسيين، العام 2015 بعد تدخل روسيا بعدة أشهر، بأن المشكلة الأكبر في سوريا تكمن بالقائمين على اقتصاد الحرب الذين يجدون بإستمرارها استمراراً لتدفق مكاسبهم وفوائدهم، وأنه من غير المجدي للأطراف الخارجية والداخلية المرتبطة بإقتصاد الحرب أن تنتهي الأزمة السورية. وكما يقول المثل الروسي “إن الحرب تشكل مأساة لفئة في حين تعني أنها أماً حنوناً لفئة أخرى”.

بعد ترتيب الأولويات وفي إطار انشغال الدولة السورية بالواقع السياسي وتكثيف الجهود لمحاربة الإرهاب والفصائل للحفاظ على سيادة الدولة، ظهر الفساد المؤسساتي في مفاصل هيئات ومؤسسات الدولة الداخلية. وفي ظل تباطؤ الدولة السورية بمعالجة هذا الأمر، أدى ذلك إلى فقدان ثقة الشعب بالمؤسسات الحكومية والسياسية ما ساهم بفقدان الشعب للهوية الوطنية وضعف الإنتماء لديه بسبب التخبط السياسي وتسوس هياكل الدولة بالفساد.

في العام الحالي وبعد تحرير أراضي ومساحات كبيرة من الإرهاب والفصائل المسلحة وبعد إتفاقية موسكو التي عملت على تهدئة أصوات الأسلحة في سوريا من الطرفين، جاءت جائحة “كورونا” لتغزو العالم بكل قاراته، وكانت سوريا إحدى الدول التي وصل إليها هذا الفيروس المستجد. هنل يمكن القول بأن لهذا الفيروس جانب إيحابي على حياة الشعب السوري من خلال قيام هذا الكائن، الذي لا يرى بالعين المجردة، بمعجزة فيها تتمثل بتغذية الشعور الإنساني لدى فئات الشعب، الذي حاول “شيطان” الحرب قتله، وقد ظهر ذلك من خلال اشتداد السواعد السورية إلى جانب بعضها البعض لمحاربة الوباء الدخيل، فقام المجتمع المحلي بإطلاق المبادرات والمساعي لتقديم المساعدات الإنسانية، وتوفير الأغذية والمستلزمات الطبية، مساعدة الفئات المستضعفة بإيصال موادهم الأساسية إلى منازلهم. تزامن ذلك مع إجراءات الحكومة السورية الرائعة للتصدي للفيروس، حيث فقامت بحظر التجول الجزئي والكلي، وتأمين المواد الطبية كافة ومواد مضادة للفيروسات، إضافة إلى المواد المعقمة والقفازات والكمامات، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، إن بعض الدول المتقدمة، والتي كانت حلم لكل سوري أن يتمتع برفاهيتها وحريتها وحياتها الرغيدة، أصبحت دولاً أقل ما يقال عنها أنها دولة “قرصنة” تقوم بهجمات السرقة والنهب للمواد المعقمة والأدوية الطبية والكمامات في ظل تزايد الطلب عليها، مثل اتهام الولايات المتحدة لألمانيا بقرصنتها وقيامها بالسطو على مساعدات طبية قادمة من الصين إلى أميركا، وهذا يأتي بالتوازي مع مطالبات المسؤولين الإيطاليين، عبر حساباتهم على “تويتر”، بضرورة الخروج من الإتحاد الأوروبي بعد إحجام الدول عن مساعدتها في محنتها، حيث أشارت بأن هذا التكتل أثبت أنه ليس أكثر من “فقاعة” ضعيفة تطايرت ريحها عند هجوم الوباء، وقد جاء ذلك بعد قيامهم بنشر مقاطع فيديو عبر حسابهم يظهرون فيها مشاهد هم يحرقون علم الإتحاد.

في ظل هذا الواقع العالمي، يجب أن نشهد بموقف الحكومة السورية التي قامت بشحذ كافة الهمم وتجنيد كل ما يخدم تحصين البلاد في وجه الوباء، ويقتضي التنويه أن هذا التناغم المتبادل بين الحكومة والمجتمع المحلي، بكافة أطيافه لمواجهة كورونا، من شأنه أن يعيد البوصلة إلى مسارها، ولكن يبقى على الدولة أن تقوم بمهمتها، في الوقت الحاضر، بالضرب بيدٍ من حديد لكافة المحتكرين والقائمين على ما يسمى إقتصاد الحرب، وإيقاف أعمالهم وإنهاء وجودهم فيها، والضغط على بقاياهم و”تعقيم” المؤسسات من آثارهم كي لا يستغلوا مرحلة التصدي للوباء من أجل مكاسب جديدة بعد أن استغلوا المراحل السابقة. وإن مثل هذه الخطوة من شأنه أن يساهم بإعادة ثقة الشعب بمؤسسات الدولة، وأن تخطو الحكومة خطوتها على طريق السلم الأهلي، وتعيد رسم ملامح الهوية السورية والإنتماء الوطني من جديد.

*الأمين العام لحركة الدبلوماسية الشعبية السورية.

مصدر الصور: فرانس 24 – إندبندنت عربية.

موضوع ذا صلة: ستيفانو: مواجهة “كورونا” تتم بجهود سورية شبه ذاتية


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •