شارك الخبر

د. عبدالله الأشعل*

من أهم متغيرات العام الجديد، 2021، تولي إدارة أمركية جديدة مغايرة للراحلة، هذا على الصعيد الدولي. أما على الصعيد الإقليمي، يبدو أن الإتجاه العام هو إيجاد حل سياسي للمسألة الليبية، بعد فشل المشير خليفة حفتر في أداء الدور المطلوب منه وعدم إصرار روسيا على التدخل المباشر في الأزمة. هذه المتغيرات، لها علاقة وثيقة بمستقبل العلاقات المصرية – التركية خاصة بعد المصالحة الخليجية، مهما كانت شكلية، والتي أشاعت جواً من التفاؤل.

تاريخياً، مرت العلاقات المصرية – التركية، بعد إنهيار الدولة العثمانية، بعدة مراحل. وتجب الإشارة هنا إلى أن الدولة العثمانية إحتلت مصر العام 1417، وتخلت عنها بعد توقيع إتفاقية لوزان في إطار مؤتمر الصلح الذي عقد في قصر فرساي العام 1924، حيث تولى مصطفى كمال أتاتورك السلطة في نفس العام.

بإعتقادي، إن مشاكل تركيا سببها الإمبراطورية العثمانية؛ وبصرف النظر عن الظروف التي أعلن فيها رسمياً إنتهاء الدولة العثمانية والخلافة، فإن أتاتورك كان قد إستولى على قلوب الأتراك عندما حرر كلاً من أزمير وإسطنبول من الإحتلال البريطاني – اليوناني، أواخر الحرب العالمية الأولى، وانتهج نظاماً علمانياً معادياً للتاريخ الإسلامي العثماني فكان ذلك غريباً على المجتمع التركي، الذي إستقر الإسلام فيه وبدء الامبراطورية على أساس إسلامي ورفع راية الإسلام في حروبه منذ القرن الرابع عشر، فألب عليه الغرب الحاقد على الإسلام أصلاً بعد فتح الأندلس وصولاً إلى الغزو التركي للكثير من الدول الأوروبية بالإضافة إلى صد العثمانيين للموجات المتأخرة من الحروب الصليبية والمغول وغيرهما ممن جاروا على بلاد الإسلام.

كان إلغاء الخلافة حدثاً مدوياً في مصر. فبعد أن امتدح أمير الشعراء أحمد شوقي أتاتورك لقوله “يا خالد الترك جدد خالد العربي” (قاصداً خالد بن الوليد)، وقع إلغاء الخلافة كالصاعقة على نفوس عامة المصريين وربما كان هذا الحدث هو السبب المباشر لنشئة الحركات الإسلامية في المنطقة العربية ومنها جماعة “الإخوان المسلمين”.

يمكن أن نلخص المراحل التي مرت بها العلاقات المصرية – التركية فيما يلي؛ المرحلة الأولى، إنفصال مصر عن الدولة العثمانية وبقاؤها محتلة من جانب بريطانيا. لقد ترك العثمانيون آثاراً هامة في ثقافة المصريين لكونهم إمتزجوا بهم، في حين وقعت بعض الأحداث التي شكلت معالم لهذه المرحلة، أي مرحلة ما بعد إنتهاء الدولة العثمانية. فقد كان مصطفى كامل باشا معجباً بالإتجاه الإسلامي لهذه الدولة وكان التيار الوطني يميل إلى تركيا، وظهر ذلك جلياً في أزمة طابا، بين بريطانيا والدولة العثمانية العام 1906؛ وعلى الرغم من أن موقف مصطفى كامل كان ضد مصلحة مصر، إلا أنه كان مدفوعاً بميول وطنية وإسلامية مناهضة للإحتلال البريطاني.

لا تذكر هذه المرحلة الكثير من الحوداث سوى قيام الرئيس الأمريكي الراحل، هاري ترومان، بضم أنقرة إلى حلف شمال الأطلسي – الناتو بقرار منه خلافاً لما نص عليه الميثاق المنشأ للحلف العام 1946. لقد كانت تركيا الدولة الإسلامية الوحيدة التي إعترفت بإسرائيل، العام 1948، وأقامت لها قنصلية في مدينة القدس، كما ظلت جزءاً من التحالف الغربي – الإسرائيلي لعدة عقود إنتهت بمحاولة تركيا غزو سوريا، العام 1999، بسبب لجوء عبد الله أوجلان، رئيس حزب العمال المناهض للحكومة التركية، إلى الأولى حيث طلبت تركيا تسليمه، حيث تدخل حينها الرئيس المصري الراحل، محمد حسني مبارك، للإصلاح بينهما من خلال عقد صفقة قوامها تخلي تركيا عن مسألة الغزو في مقابل تسليم سوريا لأوجلان، الذي حكم عليه بالسجن المؤبد حيث لا تزال هذه القضية سبباً خلاف بين تركيا والإتحاد الأوروبي.

فى هذه الأثناء، بدأ التيار الإسلامي بالظهور على السطح ممثلاً برئيس الوزراء الأسبق، نجم الدين أربكان، الذي خلَّف وراءه تلاميذاً من بينهم الرئيس الحالي، رجب طيب أردوغان. كما كانت العلاقات بين دمشق وأنقرة قد توترت.

المرحلة الثانية، بدأت بتولي حزب “العدالة والتنمية” مقاليد الحكم في تركيا، إبتداء من العام 2002، فتولى الرئيس أردوغان، حينها، مهام محافظ إسطنبول وكانت تلك البداية لنجاح حزبه في الإنتخابات اللاحقة. في ذاك الوقت، كانت العلاقات بين مصر وتركيا مزدهرة تجارياً، كما ظهرت الإستثمارات التركية بشكل واضح في الإقتصاد المصري، وشكلت تركيا مقصداً للسياح المصريين والعرب إلى أن بدأت الإحتكاكات بين تركيا وإسرائيل، لا سيما في مايو/أيار 2010، عندما إستولت إسرائيل على “أسطول الحرية” الذي وفرته تركيا للمتطوعين بهدف كسر الحصار الإسرائيلي عن غزة.

في تلك اللحظة، بدأت مصر تتنبه إلى أن تركيا جنحت بإتجاه التيار الإسلامي. ولقد سبق لمصر أن إستوعبت هذا التيار، منذ العام 2005، عندما ترشح أعضاء من جماعة “الأخوان المسلمين” بشكل مباشر في إنتخابات مجلس الشعب، وسيطروا على كل النقابات، ولكن حتى ذلك الوقت، لم تمثل تركيا تشكل تهديداً للنظام في مصر.

وإن كانت الحكومة المصرية في معسكر متقارب من إسرائيل، لكنها لم تكن ضد تركيا. فالملاحظ أن الإعلام المصري، في حادث “مافي مرمرة”، قد تعاطف مع تركيا ومع الباخرة التي إقتادتها إسرائيل إلى ميناء حيفا، لكن على المستوى الإستراتيجي كانت تلك أشارة إلى إصرار إسرائيل على تحجيم الدور التركي للقضية الفلسطينية وفي البحر المتوسط حيث إرتفعت نبرة الرئيس أردوغان، المؤيد للفلسطينيين والقدس. هذا الأمر، سبب إحراجاً للخط المصري المهادن لإسرائيل، بل وأحيانا المتضامن معها كما ظهر في عدوان إسرائيل على غزة العام 2008، حيث قررت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة، تسيبي ليفني، هذا العدوان بعد محادثات مع الرئيس مبارك ووزير خارجيته، 25 ديسمبر/كانون الأول 2008، لتبدأ العملية “الرصاص المصبوب” في 28 منه، والتي كانت بمثابة “هولوكوست” ضربت قطاع غزة، في حين إحتجت تركيا على هذا العدوان قبل أن تتلقى درساً في حادث “مافي مرمرة”، العام 2010.

المرحلة الثالثة هي المرحلة العاصفة التي كشفت فيها تركيا عن مشروعها في المنطقة، وقد بدأت بأحداث ثورة “25 يناير” في مصر. الحق أن تركيا أيدت كل الثورات العربية من منطلقين؛ المنطلق الأول، بروز التيارات الإسلامية لهذه الثورات حيث ظنت تركيا أن بإستطاعتها الترويج لمشروعها الإسلامي وهنا لا بد من توثيق الموقف التركي من الثورات العربية لأنه وقف ضد قوى الثورة المضادة في كل المنطقة، بما فيها مصر. في هذا الشأن، سبق لتركيا وأن أيدت تولى جماعة “الإخوان المسلمين” للحكم على الرغم من خلاف الرئيس أردوغان معها على مسألة العلمانية، خلال زيارته لمصر قُبيل الإنتخابات المصرية. أما المنطلق الثاني، يكمن في أن هذه الثورات قامت ضد حكام مستبدين وأدوات لواشنطن وإسرائيل، وهذا يمنع الأخيرة من تحقيق مشروعها.

لكن الخلاف الحقيقي بين البلدين وقع على خلفية الإطاحة بجماعة الإخوان، 3 يوليو/تموز 2013، فأتخذت أنقرة موقفاً عدائياً من النظام الجديد لسببين؛ السبب الأول، إعتبار تركيا لما حدث بأنه إنقلاب عسكري بحيث أن حكومتها تعتبر أن أصل الداء فيها هو الإنقلابات العسكرية وتدخل الجيش في السياسة. لذلك، عمد الرئيس التركي إلى محاكمة كل من إشترك في هذه الإنتخابات، وما حدث في مصر شكل نوعاً من “العقدة” للرئيس أردوغان. أما السبب الثاني فهو ما أصاب التيار الإسلامي، الذي يتبناه الرئيس أردوغان، وهذه نقطة الضعف الأساسية في الموقف التركي من مصر. لهذا، رحبت أنقرة بالمعارضة المصرية للنظام، من كل لون وخاصة “الإخوان المسلمين”، وسمحت لها بفتح عدة قنوات فضائية لنقد النظام ليلاً نهاراً. ما يمكن ذكره في هذا الشأن أن هذه القنوات إستحوذت على أغلبية الرأي العام رغم بعض المبالاغات في تصوير الأحداث، ورغم أصرار الإعلام المصري على روايات جامدة متناقضة للحدث الواحد.

في ذاك الوقت، أجريت عدة مقابلات إعلامية حول مستقبل العلاقات المصرية – التركية، وكان رأيي يتلخص في نقطتين؛ النقطة الأولى، أن الرئيس أردوغان كان “ملكياً أكثر من الملك” للسببين الذين ذكرتهما أعلاه فضلاً عن سبب آخر عالجته في مقالتي الأخيرة وهو الخلل في بناء الشخصية التركية الحديثة وضرورة التوفيق بين العثمانية والإسلام على أسس عملي. أما النقطة الثانية فهي أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يعتقد أن ما قام به في 3 يوليو/تموز لا يشكل إنقلاباً عسكرياً وأن الجيش لا يحكم، كما يعتقد أن الرئيس التركي يعاديه. من هنا، نأتي إلى النقطة الثالثة وهي أنه لا مستقبل للعلاقات بين البلدين ما دام كلا الرئيسين في مكانه، وذهبت بعد ذلك إلى النقطة الرابعة التي تشير إلى إستحالة تجميد الخلافات ذات الطابع الشخصي إذ لا بد أن يحافظ الرئيسان على المصالح الإستراتيجية للبلدين.

بعد ذلك، دخلت العلاقات في تصعيد جديد أكثر خطورة تمثل بإنضمام مصر إلى اليونان وقبرص في تحالفات سياسية وعسكرية وإقتصادية ضمن البحر المتوسط، وهو ما إعتبرته تركيا مناوئاً لها، بالإضافة إلى دعمها لأحد أطراف النزاع في ليبيا، الجيش الوطني الليبي، في حين تقدم تركيا الدعم لـ “حكومة الوفاق”، المعترف بها دولياً، لتشكل الساحة السورية أيضاً مجالاً جديداً للعداء بين الطرفين حيث يدعم الرئيس السيسي الحكومة السورية في حربها ضد التيارات الإسلامية المتشددة التي تشكل إمتداداً للأزمة فى مصر في حين يقوم الرئيس أردوغان بدعمها، وهذه نقطة إحتكاك خطيرة بين تركيا وروسيا التي جاءت خصيصاً إلى سوريا لمحاربة هذه التيارات، كما نحمد الله أن الرئيس السيسي لم يصل، في أساليب “الكيد المتبادل”، إلى اللعب بالورقة التركية الشديدة الحساسية عند الرئيس أردوغان.

ختاماً، لا شك بأن للخلاف المصري – التركي سقف ما وهو الذي ترسمه كل من الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي وحلف الناتو. هذه الأطراف الثلاثة، تساند الرئيس أردوغان في ليبيا ضد مرتزقة “فاغنر” حتى لا يكون لروسيا موطئ قدم فيه، حيث إستعان الرئيس التركي لمواجهتها بعناصر من التيارات الإسلامية المقاتلة في سوريا ما عقَّد الموقف أكثر، حيث ألقت الأزمة الليبية بظلال قاتمة على أمن مصر، بشكل خاص، والعلاقات المصرية – التركية، بشكل عام. لكن توجه مصر مؤخراً إلى التقارب مع حكومة فايز السراج الليبية قد يشكل إحدى مرتكزات الإستراتيجية الأمريكية الجديدة التي تقوم على حتمية الحل السلمي للأزمة الليبية. بإعتقادي، إن العام الجديد سيشهد مراجعات للسياسة الخارجية المصرية، وكذلك التركية، بما يؤدى إلى تقديم الحد الأدنى من المصالح المشتركة خاصة وأن تركيا تفتح ذراعيها للتقارب مع مصر، كما أن المصالحة الخليجية، التي ضمت مصر أيضاً، قد تفتح الباب لتقارب مصري – تركي في المرحلة القادمة.

*سفير سابق ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

مصدر الصور: ميدل إيست أونلاين – روسيا اليوم.

موضوع ذا صلة: الإتفاقية البحرية المصرية – اليونانية.. عرقلة لمخططات أنقرة؟!


شارك الخبر
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •